آخر الأخبار

أيهــا الأسرى...أعتــذر...لأني مرتبــك / بقلم: عيسى قراقع

أيهــا الأسرى...أعتــذر...لأني مرتبــك /  بقلم: عيسى قراقع

أيهــا الأسرى...أعتــذر...لأني مرتبــك / بقلم: عيسى قراقع

كشف بحث إسرائيلي أعدته مجموعة إسرائيلية تسمى (منهاج جديد) عن أن إسرائيل تستغل 63% من الأطفال الفلسطينيين المعتقلين لديها لتشغيلهم عملاء...وفي الوقت نفسه أظهرت إحصائيات نادي الأسير ان 90% من الأطفال المعتقلين يتعرضون للتنكيل و التعذيب والمعاملة المهينة...  وهذه الحقائق المفزعة التي تشير إلى أن حكومة إسرائيل تسعى الى تدمير الجيل الفلسطيني الجديد بكل الوسائل تتزامن مع السعي الحثيث لحكومة إسرائيل الى عسكرة المجتمع الإسرائيلي وزرع مفاهيم العداء والتطرف والعنصرية في هذا المجتمع وخاصة عند الأجيال الفتية...  كل ذلك وأمامي مئات التقارير الصارخة عن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون ومعسكرات الاحتلال الإسرائيلي مفعمة بالشكاوي والنداءات ، فالكلمات تكاد تنهض وتمزق نفسها أمام دمار شامل وصمت مريب يحيط بالإنسان الأسير داخل السجون...  تصفحت تقارير منظمة العفو الدولية والصليب الأحمر الدولي والكثير الكثير من الدوريات والرسائل والشهادات المشفوعة بالقسم والصادرة عن منظمات دولية ترعى حقوق الإنسان فشعرت ان لا مكان للأسير الفلسطيني سوى في الكلمات او في براويز الصور عندما لم المس أي تحرك جدي او تأثير ملموس لمنظمات المجتمع الدولي بكل مستوياتها في التأثير ولو بالحد الأدنى لوقف الحرب اللا أخلاقية التي تمارس بحق الأسرى و الأسيرات في سجون الاحتلال...  أربعون عاما والأسير الفلسطيني مجرد تقرير...ليس له موقع في بروتوكولات القانون الدولي الإنساني، وخشيت انه يحول الإنسان الأسير الى مادة نظرية مليئة بالعواطف لا تهدم زنزانة ولا تفك قيدا...وأصبح من غير المعقول ان لا تسعى منظمة دولية من منظمات هيئة الأمم المتحدة لفرض زيارتها للسجون الإسرائيلية والإطلاع والتحري حول ظروف الأسرى ومعاناتهم وإجراء تحقيق رسمي حول الانتهاكات الخطيرة التي تجري هناك.  لم اعد اصدق ان كل قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنذ عام 1967 لم تستطع أن تجبر حكومة إسرائيل على الاعتراف بالأسرى الفلسطينيين كأسرى حرب حسب اتفاقيات جنيف...  أحسست بالارتباك وأنا اقرأ عن مهرجان أقيم في ذكرى مرور 28 عاما على اعتقال سعيد العتبة اقدم أسير فلسطيني...ووقفت عاجزا أمام تقرير يفيد بان احد الأسرى الأطفال البالغ عمره 15 عاما حاول الانتحار بشنق نفسه في زنزانته..ولم استطع تحمل قراءة رسالة احد الأسرى المشلولين والذي يقبع في سجن مستشفى الرملة يقول ساعدوني..   أنا أمام مذبحة يومية، أرى الخراب الإنساني، اسمع صوت الأنين والاستغاثة...أرى أسيرات يجبرن على التعري وأسرى يرقصون في حومة الغاز والضرب داخل غرفهم الضيقة في دائرة من السعال وفقدان الوعي وفوضى الموت ولا احد يسمع...أرى مروان البرغوثي يكلم الجرذان في زنزانته الصغيرة بينما آخرون ينتزعون صورته عن الجدران في رام الله كأن للجرذان أشباه كثيرة...   أرى شبانا يذهبون الى السجن بأعمارهم الصغيرة، يحملون فكرة كبيرة ولا يعودون وان عادوا لا نعرفهم...أنا مرتبك امام البحر الهائج من التضحيات، يزمجر في قيعانه رجال من ملح وصبر حتى خجلت الأسطورة من صمودهم التاريخي...  وانا مرتبك من غياب القرار الذي يترك أسرى منذ ربع قرن وأكثر هناك في الحديد والظلام...أسرى كفيلة كل أيامهم السجينة، وكل آهاتهم الحزينة ان تبني عالما جديدا وان تخلق روحا قيادية تطرح حالها على الكون بأسره لا يهزها أي شيء ما دامت تملك كل هذه الذخيرة الإنسانية...  نعم انا مرتبك...أمامي قصائد من الأسرى...خواطر ورسائل وبيانات الى المسئولين والمؤسسات الحقوقية والمجلس التشريعي والحكومة الفلسطينية يقولون فيها سنخوض إضرابا قريبا...كونوا معنا...  ولفت انتباهي أنهم يتحدثون عن تحضير الجسد للجوع الطويل...إفراغه من الحركة يتطلعون الى سماء ليست زرقاء، يقولون: سنطلق الطيور من أجسادنا وهناك على البرش كأس ماء وحبات ملح وصورة طفل لأحد الأسرى يتطلع إليه قبل الاغماضة الأخيرة...   انه حنين محروق بالدم و العشب الأصفر...ينتظرون من يمسك بأيديهم...يقودهم الى مكانهم الحقيقي، الى القائد الذي يعرف تماما بما في بطونهم من اشتباك وما في صدورهم من انهار ساخنة وحدائق مديدة...  الأوراق التي أمامي تثير الحيرة...أسرى جلبوع يشرحون عن عملية قمعهم ورشهم بكميات كبيرة من الغاز... اسرى عزل الرملة يستفيضون في محاولة معرفة الوقت ان كان ليلا ام نهارا، سلاما ام حربا، في حين يناشد أسرى قدوميم بوقف حفلات الضرب التي تمارس بحقهم وهم لا يطلبون المستحيل عندما يريدون الذهاب الى المرحاض او الاستحمام...   وها أنا اقرأ رسالة صديق من سجن النقب يكتشف سر الصحراء بعد سبع مرات من تجديد اعتقاله الإداري فيقول...لقد اعترفت الصحراء بنا أخيرا...سمعنا في ليلة رملية، والجنود يحيطون بالمكان...أسلاك وبنادق وكلاب وليل معتم وحر شديد، ونواح بعيد، سمعنا صهيل حصان...   ولن أنسى طيلة عمري ذلك الأب الذي تحدث معي بصراحة في إحدى المرات انه خائف على ابنه الصغير البالغ من العمر 12 عام...قال لي...الولد بعد الإفراج عنه من السجن ليس طبيعي..كل شي فيه تشوه...الولد لا يحب المدرسة، لا يحب النوم، لا يحب الأكل، لا يحب شيئا...الولد لم يعد الولد...وبكى طويلا...هذا الأب يريد ان يعود ابنه الى طبيعته وعرفت أنهم أخذوه الى العرافة لإخراج التشوه من داخله..وبلا فائدة..لم ينفع البخور، ولا الطلاسم الغريبة، صرخ الاب....ضاع الولد...   ماذا يضير المجلس التشريعي، والوزراء وأصحاب المعالي والسيادة لو أقاموا خيمة اعتصام امام محكمة لاهاي ووضعوا أمامها كل هذا اللحم الإنساني، النزيف البشري المتدفق مطالبين المحكمة ان تأخذ قرارا وحيدا وهو نزع اعتراف إسرائيل بان البشر الذي يعيشون في فلسطين هم بشر يحبون الحياة، يكرهون الاستعباد والذل و الاستكانة، لهم أحلامهم وآمالهم ككل شعوب الأرض ...   ماذا يضيرهم لو طالبوا فقط ان يعود الناس في فلسطين كما كانوا طبيعيين، ينامون بشكل عادي ، يذهبون للعمل بشكل عادي، يتزوجون ويفرحون، ويبكون بشكل عادي، ان يطالبوا بالعادي الذي خلقه الله مع كل انسان.  وامام كل ذلك بدأت اشك بحيادية المجتمع الدولي وأصابني هاجس وهوس من ان القانون الدولي الإنساني ليس لنا...واتفاقيات جنيف الرابعة لا تنطبق على كائنات مثلنا...ودليل على ذلك عودة الأسير ابو رفعت...اذهبوا اليه لتروا حطام إنسان قذفه السجن الى أي مكان...  لقد أصبت بقهر لكثرة التقارير والنشرات والدوريات التي تتحدث عن معاناة الحركة الاسيرة الفلسطينية فأين يصب كل هذا...فهل الحرية لا زالت بعيدة الى هذا الحد...ام ان الحرية اصبحت عالمين عام له السلطة والرفاه والبنين والقصور وعالم له السجن والمؤبد وحسرة الامهات...احاول هنا ان اجد علاقة بين السجن والحرية فاكتشف ان الامر اصبح مختلفا عما علمنا اياه بابلو نيرودا ونلسون منديلا وبوبي ساندز وعمر بن الخطاب وناظم حكمت وراسم حلاوة .  قبل شهر كانت ذكرى استشهاد علي الجعفري...مرت امامي اسماء عظيمة...اسرى سقطوا، اختفوا في اسفلت الليل، اقتحمت ظلالهم الجدران مثل مسلم الدودة ،عمر القاسم، ابراهيم الراعي، قاسم ابو عكر، خليل ابو خديجة، عايد جمجوم، وزياد حامد، خليل شراكة، عاطف ابو عكر....موسى جمعة...اسماعيل شملخ وغيرهم من الشهداء...تركوا حقوقهم كدمهم على اكفنا، وافترضوا اننا نحمل الرسالة...   انا مرتبك، الطفلة أسيل هندي تطلب قلما وورقة... انا مرتبك لان الاسير محمد ابو علي اصيب بالعمى...لم يعد يرى شيئا...منذ 25 عام وهو يحاول ان يظل جاحظ العينين، بلا فائدة...أغمضوه اخيرا...  عدت الى ارشيف الماء و الملح...قرأت رسائل الياس جرايسة الى ابنه عائد قبل ان يسرقه السيل في الوادي، فلم يبق في الوادي غير الجثة...وقرأت رسالة يوسف العرعير الأخيرة قبل ان يسرقه المرض في سجن الرملة...قرأت ما كتبه بشير خيري وعزت الغزاوي في رسائله التي لم تصل الى القرار والوردة...وشاهدت أصابع محمد عبد السلام وهي تخربش على حيطان سجن بئر السبع ناثرا غزلياته الى حبيبته قائلا: هربت عينيك معي الى الزنزانة فأورق الجدار حيلة خاسرة على حد قول علي الخليلي لان عين حبيبته لم تتحول الى رمانة على الجدار.. أوراق كثيرة أمامي...من شطة وتلموند وعتصيون وعوفر و مجدو، اقمار مكسورة، ارتباك في النار المستعرة...  فيا ايها الأسرى...لقد اصبح لكم وزارة، وأصبح لكم حكومة، أصبح لكم مائة مؤسسة ترعى شؤونكم، ومع ذلك فإنكم تحترقون كأن هناك خطأ ما...او كأن الطريق لم يصل اليكم...  انا مرتبك لان تاريخ 18/8 قد اقترب، فيا ايها الليل كن لطيفا معهم...ويا ايها العالم تنحى عن عالميتك قليلا...   يا الهي..الضحايا صاروا جلادين في عالمك...ثم صاروا ارهابين، ثم صاروا عراة....الضحايا لم  يعودوا ضحايا، صاروا اشياءا عادية لهم رقم حساب في البنك، ورقم في السجن على قميص بني...لهم وظيفة او معاش بطالة... يا الهي للبيت رب يحميه، وللأسرى رب يحميهم...   ايها الأسرى اعتذر لكم، انا مرتبك...قرأت صوتكم على الجميع..البعض قال عنه غير واضح، والآخر قال أخشى هذا الصوت لأنه يكشف صورتي الحقيقية بينما البعض شعر بالألم..وضع يده على قلبه وقال الحقيقة ولم يصل المستشفى لأنه مات، فلماذا تموت الحقائق بسرعة، مثلما تبتر السيقان بسرعة أيضا...   انا مرتبك(واعتذر عما فعلت) لأني لم افعل شيئا يدخل في مصدر الفعل، القيد هو القيد، باص الصليب الأحمر الصباحي لا زال ينتظر الأمهات كالعادة...وجنود الاحتلال لا زالوا يقتحمون كل البيوت ليلا وبلا اذن من شرطة او سلطة او مجلس تشريعي او مجلس وزراء ،... الناس لا يحرسهم احد...   انا مرتبك لان الوضع صار اكبر من 242 ومن وطن لا زالوا يعتقدون انه يقاس بالمساحات وبتبادل الأراضي...الوجع اكبر من حكومة تأتي وحكومة تذهب ، اكبر من الكلام الكثير في رام الله...   انا مرتبك..ربما لاننا بحاجة الى أزمة ضمير وليس أزمة إصلاح الى ضمير سياسي وليس ضمير وظيفي انتهازي...الى من يتطلع الى الحقول الخضراء في إنسان يحصد قمح حريته منذ ربع قرن ولم يتعب...   خاص بموقع الأسرى للدراسات والأبحاث الإسرائيلية www.alasra.ps      
المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد