آخر الأخبار

الخريطة اليهودية للهويات اليهودية في الوقت الحاضر

الخريطة اليهودية للهويات اليهودية في الوقت الحاضر

الخريطة اليهودية للهويات اليهودية في الوقت الحاضر

إعداد:المختص في الشئون الإسرائيلية: علاء شنار المقدمـــــــــــــــــــــــة يعتبر تحديد الهوية الثقافية والقومية بمثابة الخطوة الأولى لأي جماعة بشرية تجد في ذاتها القدرة والأهمية لإقامة دولة أو كيان سياسي يلم شملها وتتطور فيه هويتها أي لا بد لهذه الجماعة من تحديد مفهوم "النحن" والآخر.  أو بمعنى آخر من يقع في نطاق الهوية الوطنية ومن يقع خارجها المسألة التي لا تجد لها حلاً أكاديمياً أو عاطفياً وإنما هي جوهر العمل السياسي الهادف لصياغة المشروع الحضاري والسياسي والإقتصادي المتمثل بإقامة الدولة ... وهي القضية التي فشلت الحركة الصهيونية في تحقيقها وكشفت عن زيف الشعارات التي رفعتها هذه الحركة في أن اليهود يمثلون أمه أو قوميه خاصة وأن أرض فلسطين هي وطنهم الذي لا بد أن يعودوا إليه ويقيموا عليه دولتهم. ويشهد المجتمع الإسرائيلي إنقسامات عديدة يرجع أغلبها لإعتبارات تاريخية أفرزتها طبيعة العلاقة بين الجماعات والطوائف اليهودية التي عاشت في بلدان مختلفة (أو في نفس البلد) ولعل أبرز هذه الإنقسامات هي ما بين اليهود "الأشكناز" الغربين واليهود "السفارديم" الشرقيين وهما الجماعتين اللتين إتسعت فجوة الخلاف فيما بينهما بعد قيام دولة إسرائيل وذلك بسبب تسلط الأشكناز وسيطرتهم على كافة المناصب العليا في الدولة وحرمان الشرقيين من العديد من حقوقهم. وسعياً من مختلف نخب الجماعات في إسرائيل لإيجاد صيغة لهوية إسرائيلية أو يهودية تضم كافة الجماعات فقد ظهرت مجموعة من التيارات الفكرية التي تناولت هذا المفهوم لكن أي منها لم يستطيع أن يبلور حلاً لأزمة الهوية التي يصفها بحثنا هذا من خلال مبحث خاص. المبحث الأول أزمة الهوية في إسرائيل إن الباحث في موضوع أزمة الهوية في إسرائيل يجد أهمية للبحث في هذه القضية من خلال سياقين مركزيين هما أبعاد الأزمة داخل إسرائيل والآخر خارج إسرائيل ويتعلق بطبيعة دور إسرائيل الإستراتيجي وتوجهاتها الإقليمية". في نظرة إلى الوراء نجد أن الصهيونية التي تمكنت من تحقيق مشروعها العملي في إقامة دولة إسرائيل كوطن قومي لليهود وهو الشعار المركزي الذي رفعته الحركة إلى جانب مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض .. نجد أن هذه الحركة قد فشلت حقيقة في تدعيم أركان مشروعها وذلك من خلال جمع كافة يهود العالم وصهرهم في بوثقة القومية الإسرائيلية الجديدة في دولة إسرائيل، بينما واقع الحال يفيد بأنه لا تزال أغلبية اليهود تعيش في الشتات كما أن ملامح الهوية اليهودية أو القومية الإسرائيلية لا زالت موضع شك وخلاف كبير. "فمنذ البداية توقف نجاح المشروع الصهيوني على قدرته في التغلب على تنوع التواريخ والهويات اليهودية ومصالح الجاليات اليهودية المتنوعة كمواطنين في "بلادهم" وكمقيمين في الكون إلتزمت التربية الصهيونية بتذويب عنفي جديد وهوية جمعية لليهودي الجديد وبالتالي كان على الصهيونية إسكات الإختلافات وبناء رواية موحدة وفريدة من نوعها، ومترابطة يمكنها تدمير أو إبتلاع التواريخ اليهودية والهويات والمعرفة والمصالح والمثل المحلية المتنوعة التي كانت غير مثمرة بالنسبة للمشروع الصهيوني، أو حتى تنفيه أو تهدده بشكل واضح"(1).  من هنا يرى البعض أن الصهيونية قد إنتهت بمجرد نجاحها في تحقيق هدف إقامة الدولة ويؤكد هذا واقع الحال داخل إسرائيل التي تتداعى فيها مؤسسات الصهيونية التقليدية والمتمثلة بالكيبوتسات والأحزاب الصهيونية الكبرى وضعف البنية السياسية والإجتماعية للكيان الصهيوني والتي تجلت بوضوح خلال العقود الثلاث الأخيرة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د إيلان غور زئيف - التعددية الثقافية والتربية في إسرائيل Almash_had.Maddarcenter.org http://www. 2004 ويمثل عقد التسعينيات زمن هزيمة الصهيونية كإطار جامع ومعمم للهوية أو للرؤية الأحادية للهوية أو ما يعرف بإستراتيجية بوثقة الصهر والتي عجزت فعلاً عن صهر التعدد القائم في البنية الإجتماعية الإسرائيلية. "كما وأظهرت نتائج إنتخابات 96/99 بوضوح حالة المجتمع الإسرائيلي الراهنة وملامح البنية الجديدة غير الصهيونية التقليدية وذلك بتراجع الحزبين الكبيرين الصهيونيين مقابل إرتفاع نسبة تمثيل الأحزاب الصغيرة والتي تمثل هويات وثـقافات فرعية في المجتمع الإسرائيلي فظهرت قوة العرب بشكل أكثر وضوحاً وكذلك الروس الذين ظهروا كقوة سياسية وإجتماعية جديدة في حين تأكد غالبية الأبحاث أن أكثر من ثلثهم ليسوا يهوداً"(1) ولم يهاجروا إلى إسرائيل لدوافع أيديولوجية ولا دينية يهودية وإنما لأسباب إقتصادية وبدافع تحسين الأوضاع المعيشية التي تدهورت بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي فأضحى هؤلاء اليوم يشكلون مجتمعاً روسياً داخل المجتمع الإسرائيلي. كما وأظهر اليهود المغاربة الذين يزيد عددهم من خمسمائة ألف نسمة ظهروا كجماعة متميزة لها لونها الثقافي وهويتهم الخاصة.  وبشكل عام يمثل اليهود الشرقيين قرابة نصف اليهود في إسرائيل وهم ليسوا فقط معاديين للصهيونية سواء بسبب العداء الديني للعلمانية أو على أساس ثقافي حضاري بإعتبارهم شرقيين والصهيونية تمثل الغربيين أو الحضارة الغربية.  وإنما إنتقلوا إلى خطوة أبعد من ذلك، فمن العداء للصهيونية إلى سلبها وملئها بالمضامين الدينية وهو خلافاً لما قامت به الصهيونية في البداية من خلال سلب الرموز الدينية مثل "صهيوني وأرض الميعاد" وتسخيرها لخدمة الصهيونية.  فما تفعله شاس الآن هو سلب الأسطورة الصهيونية وملؤها بمضامين دينية لتديين المجتمع أو على الأقل الحفاظ على الطبيعة الدينية لجمهورها وتحقيق مطالبه الإجتماعية الإقتصادية.  ولذا نجد الحاخام إيلي سويسا يقول صراحة "أن الصهيونية قيمة دينية وليست علمانية" ويقول كذلك الحاخام أرييه درعي "أن الصهيونيون الحقيقيون هم الذين يحافظون على شرائع التوراه".  وكذلك الحاخام عوفاديا يوسف الذي يكفر القضاه العلمانيين ومن يتجه إلى محاكمهم العلمانية ويصف المهاجرين الروس بالأغيار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. محمد حمزة غنائم – من يحكم إسرائيل Almash_had. Madarcenter.org http://www. 2005 كما أن ممثلي شاس في الكنيست لا يقفون حينما يغني النشيد الوطني في الكنيست أو يتصرفون كما يفعل أعضاء الكنيست العرب حينما يغادرون القاعة.  وقد مثلت شاس في الإنتخابات قبل الأخيرة القوة البرلمانية الثالثة بعد حزبي العمل و الليكود وقد فشلت الأحزاب التي رفعت لواء الصهيونية في الإنتخابات الأخيرة من الوصول للكنيست بالرغم من أن نسبة الحسم كانت 1.5%.  ومن بين تلك الأحزاب تسوميت والطريق الثالث كما وتراجعت قوة المفدال من 9 مقاعد إلى 5 فقط إضافة إلى تمزق حزبا الليكود والعمل "الأمر الذي يجعل من التساؤل الذي تعرض له الباحث أكرم عطا لله – هل إنتصر عوفاديا يوسف على ثيردور هرتسل؟! سؤالاً مشروعاً بالرغم من أن الإجابة على هذا السؤال تبدو غريبةً للوهلة الأولى بالنسبة للقارئ، لكن المتابع للتغير الهادئ الذي تمر به دولة "إسرائيل" وخصوصاً في العقد والنصف الأخيرين من خلال تصاعد نفوذ المتدينين وإزدياد تأثيرهم على الحياة في إسرائيل سواء إزدياد كتلتهم البرلمانية أم على صعيد التشريعات القانونية أو الحياة الإجتماعية"(1).  يستطيع أن يرى "إسرائيل" بعد أكثر من نصف قرن على قيامها كدولة علمانية بأنها تسير بهدوء نحو "إعادة أمجاد الماضي "كما يقول المتدينون وإقامة دولة الشريعة "الهالاخاه". وهو ما يطمح إليه الزعيم الروحي لحركة شاس عوفاديا يوسف والذي إستطاع خلال عقدين من تأسيسه لحركته أن يصل بها إلى الحزب الثالث حسب نتائج إنتخابات أيار 99 للكنيست الخامسة عشره "أقل بمقعدين من حزب الليكود" وبخمسة مقاعد عن حزب العمل وهما الحزبيين الذين إصطلح على تسميتهما "الحزبين الكبيرين".  وليس عوفاديا يوسف وحده بل عدد من الأحزاب الأصولية والدينية والتي بدى تأثيرها في حياة المجتمع "الإسرائيلي" أكبر في أحيان كثيرة من الأحزاب الكبرى في إتجاه تعزيز الدين، والتخلي عن التقاليد العلمانية التي صبغت هوية الدولة عند إقامتها. وعلى الرغم من كل البني التحتية المتطورة والتكنولوجيا الحديثة فإن ما هو واضح أن الثـقافة السياسية والإجتماعية الإسرائيلية تغدو متخلفة أكثر فأكثر، ويمينية أكثر فأكثر، ودينية أكثر فأكثر، وهو النقيض التام لما رآه هرتسل. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. د. أكرم عطا لله - مستقبل إسرائيل أي دولة .. أي مجتمع  http://www.mogawama.net 2005 من بين كل ما قيل يمكننا الفهم بأن هنالك بنية إسرائيلية جديدة آخذه في التبلور وتعكس بوضوح التعددية الإثنية والهويات والثقافات الفرعية في المجتمع الإسرائيلي وذلك في مقابل تراجع قوة الصهيونية وقدرتها على إحتواء التناقصات الداخلية.  ومن هنا يظهر الإتجاه الإسرائيلي المتنامي الذي يعلن صراحةً نهاية الصهيونية ويدعو إلى تبني هوية إسرائيلية لا يهودية ولا صهيونية ولكن أن تصبح إسرائيل دولة مثل بقية الدول تنصهر فيها كل الهويات والثـقافات، المهم ألا تسقط الدولة في أيدي المتدينين إذا ما تغلب التيار اليهودي للهوية مقابل ضعف وتراجع الصهيونية العلمانية. أما عن سياق دور إسرائيل الإستراتيجي وتوجهاتها الإقليمية فإنها تضع إسرائيل أمام تحديات كبرى لا بد وأن ينتج عنها مواقف وإتجاهات محددة أمام ظاهرة ما بعد الحداثة والعولمة وهي المظاهر التي نجدها في التحولات السياسية والإقتصادية التي تحدث في إسرائيل فمن التعاونية والإشتراكية "الكيبوتسات والموشافات والهستدروت" إلى الليبرالية "الخصخصة والإندماج في السوق الحر" ومن النظام السياسي الحزبي إلى الرآسي أو شبه الرآسي ومن مركزية الأحزاب إلى التعددية ومن السمات الأوروبية التقليدية القديمة إلى الأمركة. إلا أن هذه الصيغة الإسرائيلية للهوية هي إطار بحاجة إلى مضمون وتوجه لا يمكن تحديده إلا من خلال موقع إسرائيل ودورها الإستراتيجيين ويقف في مواجهة هذا الرأي أو التصور للهوية الإسرائيلية عدداً من البدائل والإتجاهات سنتحدث عنها في المبحث التالي. المبحث الثاني الإتجاهات الفكرية في مفهوم الهوية الإسرائيلية "من هو اليهودي؟" سؤال يثار من حين لآخر داخل الكيان الصهيوني ويعبر هذا السؤال عن فشل الإسرائيليين في تعريف "الشخصية اليهودية" أو الهوية اليهودية (1) ومصطلح الشخصية اليهودية في اللغة العربية مأخوذ من كلمة شخص ويعني مجموعة الصفات التي تميز هذا الشخص ... أما كلمة هوية فهي إسم منقول من المصدر الصناعي (هوية) المأخوذ من كلمة هو.. وتعني مجموعة الصفات الجوهرية والثابتة في الأشياء والأحياء وسواء مفهوم الشخصية أو الهوية فكلاهما يعبر عن نموذج إختزالي لا يتفق كثيراً مع الحقيقة التاريخية المتعينة ولذلك فمقدرته التفسيرية ضعيفة للغاية ويشكل إستخدام المصطلحين تبنياً غير واع للنماذج التفسيرية الإختزالية. وبحثاً عن مخرج من أزمة الهوية التي يعيشها التجمع الصهيوني واليهودي وباقي أطياف المجتمع الإسرائيلي في إسرائيل ونتاجاً للعديد من الصراعات الثقافية والإجتماعية التي عاشها هذا المجتمع راحت النخبة في كل طائفة وجماعة تطرح مفهومها ورأيها الخاص لمفهوم الهوية في إسرائيل ولا شك أن هذا الرأي أو ذاك يحمل في طياته جزءاً من مصالح تلك الجماعات إن لم يكن جميعها وذلك في محاولة لفرض قيم هذه الجماعة على بقية الجماعات الأخرى التي يتكون منها المجتمع الإسرائيلي وهم في هذا لا يختلفون كثيراً عن حال المجتمعات الإنسانية الأخرى التي تسود فيها ثقافة رئيسية تسمى الثـقافة السائدة ومن حولها تظهر ثقافات فرعية أخرى تخص جماعات أخرى داخل المجتمع وينشأ فيما بين هذه الثـقافات نوع من أنواع الصراع تكون الغلبة فيه لمصلحة الثقافة الأقوى وتكون في هذه الحالة بمثابة الثـقافة السائدة أو الهوية الثـقافية للمجتمع وهي تلك التي لم تتبلور بعد في المجتمع الإسرائيلي.  وتنقسم الإتجاهات الفكرية لمفهوم الهوية الإسرائيلية إلى خمسة إتجاهات رئيسية هي الإتجاه الكنعاني والإتجاه العبري والإتجاه اليهودي والإتجاه الإسرائيلي والإتجاه الأطلسي ويمثل كل واحد من هذه الإتجاهات الخمسة جماعة إجتماعية مختلفة لها وزنها وتأثيرها في المجتمع الإسرائيلي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. د. عبد الوهاب المسيري – من هو اليهودي – الطبعة الثانية 2001 – دار الشروق – القاهرة ص9. أولاً:- الإتجاه الكنعاني "حركة العبريين الشبان" وتطلق صفة الكنعانية على أتباع هذا التوجه من باب السخرية نسبة إلى فقرة وردت في سفر التكوين تلعن كنعان أما الإسم الحقيقي للحركة فهو "حركة العبريين الشبان".  "وتمثل هذه الحركة إتجاهاً متجدداً ومتطرفاً في النشاط اليهودي المسيحاني المرتكز على أساس نشوء واقع جديد في أرض الميعاد يشكله جيل أبناء البلاد أي مواليد إسرائيل "الصباريم" ويعتقد أصحاب هذا الإتجاه أن هنالك قطيعة تاريخية تبدأ منذ "بركوخيا" وحتى نشوء مستوطنة "بيتاح تكفا" وخلال هذه الفترة من الزمن عاش اليهود في الشتات عصراً من اللاتاريخ لذلك فإنهم يرفضون "اليهودي" ومعه "الصهيوني"، لأنه في النهاية يهودي شتات" (1) ويتلخص فكرهم بأن العبري هو الذي ولد في البلاد أما يهود الشتات والصهاينة فهم يهود ولا يمكنهم أن يكونوا عبريين وهنا يكمن الخلاف بين أصحاب هذا التوجه وأتباع الصهيونية التي تعتبر اليهود جميعاً أبناء لأمة وقومية واحدة، المبدأ الذي ترفضه حركة العبريين الشبان وتدعو إلى تخليق أمة عبرية جديدة تكون خليطاً من اليهود والعرب.  إلا أن هذا التوجه قد إنتهي بفشل فكرها ومحاولتها في تخليق أمة أشبه بالولايات المتحدة الأمريكية أو واقعاً تندمج فيه إسرائيل في إطار دولة فدرالية عربية تحكم فيها إسرائيل هذه الدولة بتفوقها على بقية الولايات وقد تجدد هذا الطرح حقيقة في العام 1995 حينما طرح شمعون بيرس التصور الكنعاني الفيدرالي تحت ما أسماه بالشرق أوسطية الجديدة.   ثانياً:- الإتجاه العبري ظهر هذا الإتجاه من واقع وجود ظاهرة "الصباريم" أي اليهود المولودين في البلاد والذين يقدمون إنتمائهم العبري على يهوديتهم وهي ذات الفئة التي إعتمد عليها الطرح الكنعاني للهوية ولكنه فشل وظل فكراً حالماً وغير واقعي.  ويقوم المفهوم العبري للهوية على إعتبار اليهود "الصباريم" جيلاً عبرياً جديداً له ثقافته وهويته الخاصة والتي يمكن تسميتها بالهوية العبرية إلا أن هذا الإتجاه تراجع أمام موجات الهجرة الكبرى التي مثلتها هجرة الفلاشا واليهود الروس فتحول "الصباريم" إلى أقلية ولم يعد بإمكانهم تغليب طرحهم العبري للهوية. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. د. رشاد عبد الله الشامي - إشكالية الهوية في إسرائيل 2000 – سلسلة عالم المعرفة – القاهرة ص15.   وظهرت في إسرائيل الثقافات الجديدة الروسية والأمهارية فكانت تصدر على سبيل المثال سبع مجلات وجرائد يومية باللغة الروسية.  إلا أن أصحاب هذا الإتجاه يعتقدون أن الكفة ستميل مستقبلاً لمصلحتهم لأنه مع مرور الزمن سينتقل أبناء هذه الطوائف المولودين في البلاد إلى معسكر "الصباريم" الذين سيتمكنون من فرض هويتهم على المجتمع ككل.   ثالثاً:- الإتجاه الإسرائيلي يمتاز هذا الإتجاه بالبراغماتيه الجريئة والتي يصعب على اليهودية المحافظة تقبلها.  ويتلخص مفهوم هذا الإتجاه في الشعار القائل أن إسرئيل دولة لكل مواطنيها وهو الطرح الذي تبدو عدم واقعيته من مجرد النظر في مغزى هذا الشعار ومدلول كلماته.  فإذا عدنا لتفسير معنى كلمة إسرائيل وأصلها اللغوى والتاريخي سيتبين لنا عدم واقعية الشعار.  إلا أن أصحابه لا تستوقفهم الكلمة أكثر مما يستوقفهم أساسا الحاجة إلى وجود حالة من التناغم بين مختلف أقطاب المجتمع الإسرائيلي تقود إلى صهر جميع القوميات في بوثقة واحدة تخلق من خلالها الهوية الثقافية والقومية لدولة إسرائيل والتي تقوم على التعدد القومي وهو الأقرب إلى حالة الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم هذا الإتجاه.  إلا أن هذا الطرح يصطدم حقيقة بواقع العداء الذي تعيشه إسرائيل مع جيرانها وكذلك نمو ظاهرة التطرف في وسط المجتمع الإسرائيلي وخاصة بين الصباريم الذي يصل بهم الحال إلى التميز بين الصباريم الأشكناز وما دونهم من الصباريم.  كما ويصطدم كذلك بعنصرية الدولة الرسمية التي تعطي حق العودة مثلاً لليهود فقط وتمنعه على من هم دونهم وكذلك باقي الحقوق كالمواطنة والمشاركة وما إلى ذلك.    رابعاً:- الإتجاه اليهودي للهوية تُظهر التحولات السياسية الكبيرة التي حدثت في المجتمع الإسرائيلي منذ العام 1996 والتي ظهرت مع نتائج الإنتخابات التي تفوق فيها الليكود بزعامة نتنياهو على خصمه بيرس من حزب العمل بفارق ضئيل جداً. أظهرت هذه النتائج حالة إنقسام حقيقي في الإنتماء لدى الناخب الإسرائيلي وذلك بالنظر إلى محور الإختلاف بين المعسكرين اليميني واليساري وهو تحديد مستقبل الدولة وعلاقتها مع جيرانها وخاصة الفلسطينيين الذي يعيشون على نفس الأرض التي يدعى الطرف الإسرائيلي أنها أرضه، فالإنقسام حول هذه القضية والذي إنعكس على المجتمع الإسرائيلي ككل هو في الحقيقة جزء من مشكلة الهوية في إسرائيل. خامساً:- الإتجاه الأطلسي وهو الأكثر إنسجاماً مع طبيعة إسرائيل كدولة وظيفية وكنموذج إستيطاني شبيه بالنموذج الأمريكي.  وحيث تتغلغل الثقافة الأمريكية أكثر من غيرها في وسط المجتمع الإسرائيلي وبغض النظر عن التحديات التي تواجه هذا النمط والنابعة من إتجاهات الأصولية اليهودية.  والأطلسية لا تعنى فقط النموذج الأمريكي كنموذج حضاري مادي وما بعد حداثي للهوية ولكنها دور وسلوك مرتبطان بحلف الأطلسي رأس حربة النظام العالمي الجديد الذي تتكامل فيه المكونات الأوروبية والأمريكية.  والذي تجد فيه إسرائيل مكانها الطبيعي كإنتماء حضاري ودور ووظيفة في المشروع الغربي والمتمثلة "بأن تكون إسرائيل الحارس الوفي للإستقرار في كامل البلدان المحيطة بها وأن دورها هو حماية الأنظمة القائمة لمنع عمليات التحول الراديكالية أو وقفها، وعرقلة إتساع الحماسة الدينية الأصولية" (1).  وقد أصبحت إسرائيل فعلاً عضواً مراقباً في برلمان حلف الأطلس منذ العام 1994. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ د. إسرائيل شاحاك -  الديانة اليهودية وتاريخ اليهود – الطبعة الثانية 1997 – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر بيروت ص25. جملة القول أن تعدد التيارات وإختلافها حول مفهوم الهوية هو في الواقع أزمة خطيرة يواجهها المجتمع الإسرائيلي "والتي قد تأدي في المستقبل إلى تصادم بين هذه التيارات يعتبره العديد  من الخبراء بذور فتنة أو مقدمة للحرب الأهلية في إسرائيل"(1). فمظاهر التفكك الإجتماعي هي مقدمة لشيزو فرينيا المجتمع، التي تنفجر في صراعات تبدأ نظرية فكرية وتنتهي بدورات عنف يمكنها أن تصل إلى حدود الحرب الأهلية (أوالداخلية).ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   المصدر السابق: إشكالية الهوية في إسرائيل ص32.     المبحث الثالث الإنقسامات الثـقافية والأثنية في المجتمع الإسرائيلية يعتبر التعدد الثقافي في المجتمعات الإنسانية سمة إيجابية إذا ما أحسن توظيفها وإلا تحولت لسمة سلبية تعود على المجتمع بمظاهر التفكك والضعف.  ويتميز المجتمع الإسرائيلي بمظاهر إنقسام ذات طابع خاص، فمن جهة يتكون المجتمع الإسرائيلي من عدد من الطوائف والإثنيات التي يصعب صهرها في بوثقة واحدة لتشكل في مجموعها مجتمعاً واحداً متماسكاً ومعافى من مظاهر التفكك والضعف وهذا ما ثبت بعد مرور أكثر من خمسون عاماً على قيام دولة إسرائيل إذ لم تنجح الدولة والحركة الصهيونية في صهر هذه الجماعات والطوائف في بوثقة الصهر التي إفترضتها الحركة الصهيونية لقيام الأمة اليهودية. " إن محاور صراع المجموعات هي النتاج الرئيسي للسياسة التمييزية التي يتبناها أعضاء المجموعة المؤسسة لإسرائيل أي الاشكناز والذين كانت نيتهم واضحة منذ البداية لبناء نظام إثنى قائم على تفضيل هائل لمصالحهم الخاصة وليس نظاماً ديمقراطياً يعطي الأولوية القصوى للمصلحة المدنية بالممارسة"(1).  فإن الإثنوقراطية الأشكنازية ميزت سياسياً وإجتماعياً وأعطت الشرعية للولاء الإثني وقدمته حتى على الولاء المدني.  لقد مهد ذلك الطريق أما صراع المجموعات بما يشهد على فشل مشروع بناء أمة إسرائيلية و ثمة أربعة إنقسامات سوف تستمر في زعزعة إستقرار النظام السياسي الإسرائيلي يمكن تحديدها أو تصنيفها إلى أربعة إنقسامات أساسية هي الإنقسام الديني العلماني والإنقسام الشرقي الغربي والإنقسام الروسي الإسرائيلي والإنقسام الإسرائيلي العربي والتي يمكن فهمها على النحو التالي.  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. د. أسعد غانم – الهويات والسياسة في إسرائيل طبعة 2003 المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية ص40.   أولاً:- الإنقسام الديني - العلماني تعود جذور الإنقسام الديني العلماني بين اليهود إلى فترة ما قبل قيام دولة إسرائيل.  فقد كان ثمة صراع بين التيارات الصهيونية العلمانية من ناحية وتيارات الصهيونية الدينية من الناحية الأخرى، وقد إمتد هذا الخلاف إلى ما بعد قيام الدولة ويمثل اليوم بؤرة توتر وصدع في المجتمع الإسرائيلي بدولة إسرائيل ما بين التجمع الديني الذي ينادي بتطبيق الشريعة اليهودية "الهلاخاه" على شتى مناحي الحياة الإجتماعية والسياسية ويمثل هذا التجمع ثلاثة تيارات رئيسية هي:- التيار الديني الصهيوني الذي يقوده الحزب الديني الوطني "المفدال" والتيار الحريدي الغير صهيوني والذي يقوده حزب "يهدوت هتوراه" والتيار الثالث وهو التقليدي الديني والذي لا يملك موقف واضح إتجاه الصهيونية "بالرغم من أن غالبية الباحثين يتعاملون معه على أنه غير صهيوني ويقود هذا التيار حزب "شاس" ويواجه جملة هذا التجمع الديني تجمع آخر علماني يعارض التجمع الديني بل ويضع في قمة أولوياته العمل على الحد من تأثير التيارات الدينية على الحياة السياسية في إسرائيل بشكل خاص وباقي نواحي الحياة بشكل عام"(1).  ويتشكل هذا التجمع العلماني من ثلاثة تيارات رئيسية كذلك هي التيار اليساري الصهيوني والذي يقوده حزب أو حركة "ميرتس" والتيار الثاني يمين الوسط ويمثلة حزب "شينوي" بزعامة تومي لبيد الأكثر شهرةً وتعصباً في إسرائيل في وقوفه ضد التيارات الدينية والتيار الثالث هو التوجه الروسي والممثل بـ "يسرائيل بعلياه" بزعامة شيرانسكي "وإسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. د جلال الدين عز الدين علي - أزمة الهوية الإسرائيلية 2002 – دار الأهرام القاهرة ص13. ثانياً:- الإنقسام الشرقي الغربي "السفارديم والأشكناز" وهو إنقسام تعود جذوره أيضاً إلى ما قبل إقامة الدولة ولكن قيامها وتأسيسها بداية على يد اليهود الأشكناز "الغربيون القادمين من أوروبا" ترك أثراً كبيراً لا زال يمتد حتى يومنا هذا في ظهور سطوة اليهود الأشكناز ضد اليهود السفارديم أو الشرقيين. فمع قيام دولة إسرائيل تمكن الأشكناز من إحتلال المناصب الهامة في الدولة والإستئثار بها لوقت طويل مما ترتبت عليه نتائج إجتماعية وسياسية أظهرت هيمنتهم التي بات يعاني منها اليهود الشرقيون الذين نمت أعدادهم وتساوت مع الاشكناز في منتصف الستينات ثم فاق تعدادهم بعد ذلك على اليهود الغربيون ومع هذه الزيادة الديمغرافية زادت مشاعرهم بالظلم والقهر الإجتماعي والسياسي وزاد كذلك وعيهم بذاتهم وسعيهم للتخلص من سطوة وظلم الأشكناز حتى أصبحوا اليوم يشكلون قوة وظاهرة ثقافية إجتماعية خاصة ذات تأثير فاعل في المجتمع الإسرائيلي.   ثالثاً:- الإنقسام الروسي – الإسرائيلي شهد عقد التسعينات من القرن الماضي هجره ما يقارب المليون مهاجر من الإتحاد السوفيتي السابق إلى إسرائيل من بينهم نسبة تزيد عن الثلث من غير اليهود تعددت دوافعهم في الوصول إلى إسرائيل فكان من بينها الحصول على ظروف معيشية أفضل من تلك التي عاشوها في الإتحاد السوفيتي إلى جانب الدوافع الصهيونية لدى غالبيتهم إلا أن وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين في وقت قصير فرض على إسرائيل الدولة إستيعابهم كمجتمع خاص داخل المجتمع  الإسرائيلي حيث إستوطن هؤلاء في أحياء خاصة بهم يظهر عليها نمط الحياة الروسية إذ لا يسمع فيها غير اللغة الروسية ويصدر فيها عدداً من الصحف المكتوبة باللغة الروسية ويشاهد سكانها محطات التلفزة الروسية ويسمعون المحطات الإذاعية الناطقة بالروسية.  وهكذا لدرجة أن كل من يدخل هذه الأحياء يشعر حقيقة أنه خارج دولة إسرائيل و بمعنى آخر أن هنالك مجموعة إجتماعية جديدة ظهرت في المجتمع الإسرائيلي لها هويتها الخاصة والتي تعتز بها وتحافظ عليها وقد أظهرت العديد من الإستطلاعات التي أجريت بينهم أن ولاء هذه الجماعة لليهودي الروسي أكثر من ولائهم للدولة. وأنهم يميزون أنفسهم عن باقي المجموعات في المجتمع الإسرائيلي وقد تولد عن هذا شعور واضح لدى الإسرائيليين عموماً بالغربة أو الانقسام فيما بينهم وبين اليهود الروس حتى أن بعض الجماعات لا تخفي عدائها وعدم ثـقتها باليهود الروس الذين يشعرون بذلك ويعانون من بعض أشكال التمييز والإضطهاد الرسمي والشعبي وقد عبروا عن رفضهم لذلك صراحة في تطويرهم لهوية خاصة بهم إستطاعوا فرضها بقوة على المجتمع الإسرائيلي من خلال أحزابهم السياسية الخاصة التي مثلتهم بقوة في الكنيست.   رابعاً:- الإنقسام العربي - اليهودي وهو نوع خاص من الإنقسام يظهر ما بين قوميتين إذا ما جاز التعبير حيث العرب الفلسطينيين "البالغ عددهم حوالي مليون نسمة من سكان إسرائيل في ناحية ويقابلهم اليهود مجتمعين على إختلافهم في الناحية الأخرى"(1).  حيث لا زال العرب محافظون على هويتهم الثقافية الخاصة ويتمسكون بمفهومهم الخاص بالمواطنة الإسرائيلية التي تخلوا تماماً من الولاء للدولة.  وبالمقابل تكن لهم شريحة واسعة جداً من المجتمع اليهودي في إسرائيل مشاعر العداء الواضحة والرفض التام لقبولهم في المجتمع الإسرائيلي كما أنهم يواجهون على المستوى الرسمي أنماط وأشكال عديدة من التميز والإضطهاد الذي يطول وصفه ولكن بحثنا هذا يختص بالجماعات اليهودية فقط فنكتفي بالإشارة للوجود العربي وتشخيصه كحالة من حالات الإنقسام في المجتمع الإسرائيلي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1. المصدر السابق: الهويات والسياسة في إسرائيل ص157. الخاتــــــــــــــمة يتضح من خلال بحثنا في واقع الخريطة اليهودية للهويات اليهودية في إسرائيل أن الصهيونية قد فشلت في أحد أهم أركان مشروعها وهو خلق أمه يهودية إسرائيلية في إسرائيل "الوطن القومي".  وبدلاً من ذلك فإننا نشهد بزوغ جماعات تلاحق إهتماماتها الخاصة وتحطم مصالح غيرها.  وأن الإستقرار النسبي الذي تشهده إسرائيل إنما هو قائم بسبب التهـديــد المشـترك "سواء كان ذلك حقيقياً أم مختلقاً" والذي يشكله الفلسطينيون والدول العربية.  إلا أن هذا لن يشكل ضمانه لمستقبل العلاقات والتفاعلات الإجتماعية في إسرائيل.  فلن يمنع العدو الخارجي المجتمع الإسرائيلي المفسخ من الإستمرار في توجه كل جماعة إثنية من تعزيز هويتها وثـقافتها الخاصة.  وأن السيطرة الأشكنازية إذا ما إستمرت فلسوف تكون رافعة أساسية لتعزيز هويات الجماعات والثـقافات الفرعية في المجتمع الإسرائيلي الذي سيصعب عليه صهر كافة هذه الهويات والثـقافات في بوثـقة واحده تخلق الأمة اليهودية الواحدة الموحدة.  وأن الأمل المرتكز على نشوء هوية إسرائيلية يمثلها اليهود "الصباريم" سيخبوا ويتراجع كلما تشكلت جماعات جديدة بسبب الهجرات المتوقعة على نمط الهجرات الروسية والأثيوبية.  أو حتى بسبب تعزيز ثقافات وهويات الجماعات بحيث سيظهر في المستقبل صباريم أشكنازية وآخرين شرقيون وصباريم روس وآخرين فلاشا وهكذا.  وبالتالي سيتعمق الشرخ في المجتمع الإسرائيلي وستتحول ظاهرة الطوائف والإثنيات إلى ظاهرة أقليات لكلٍ منها هويتها الخاصة وولاءها المستقل. قائمة المراجع – د. عبد الوهاب المسيري - من هو اليهودي - دار الشروق القاهرة – الطبعة الثانية2001م. د. أسعد غانم – الهويات والسياسة في إسرائيل – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية 2003. د. جلال عز الدين علي – أزمة الهوية في إسرائيل – القاهرة – 2002. مجموعة من الباحثين العرب واليهود – دليل إسرائيل 2004 – المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية 2005.د. رشاد عبد الله الشامي – إشكالية الهوية في إسرائيل – سلسلة عالم المعرفة – بيروت – 2002. د. إسرائيل شاحاك – الديانة اليهودية وتاريخ اليهود – شركة المطبوعات للتوزيع والنشر – بيروت 1997. د. إيلان غور زئيف – التعددية الثقافية والتربية في إسرائيل http://.www.almash_had.com   د. محمد حمزة غنايم – من يحكم إسرائيل –  http://.www.almash_had.madarcenter.org – مستقبل إسرائيل أي دولة – أي مجتمع http://www.Moqawama.net          
المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد