آخر الأخبار

وراء النظارة السوداء فدائى عملاق يسمى علاء الدين البازيان / إعداد الدكتور رأفت حمدونة

يمتلك بسمة جميلة ، ذكاء كبير ، سرعة بديهة ، ذاكرة قوية ، شخصية رزينة ، مسئولية عالية  ، صاحب مواقف وطنية مشرفة ، يتمتع بعزة نفس ، بالقيادة والريادة وجرأة النقد ، مقبولاً ومحبوباً وقريباً من زملاءه ، وخفيف الظل رغم فقدان البصر .

أتذكر اللقاء الأول ، والانطباع الأول خلال لقاءى به فى البوسطة ( عربة النقل وغرفة الانتظار فى إحدى السفريات ) ، نظرت اليه ملياً ، تعلمت منه كثيراً ، أسير يحظى بكل هذا الكم من الأمل والتفاؤل والأنفة والكبرياء والالتفاف ، بت استرق السمع لأعرف من صاحب النظارة السوداء ، وما تخفى خلفها من أسرار ؟؟

تضايقت كلما ارتفع صراخ السجان على الأسرى ، وكلما طغى صوت الشاحنة الحديدية التابعة لإدارة مصلحة السجون والتى لا تسمح الا لخيوط من الشمس باختراقها عنوة بسبب الفتحات الصغيرة التى صممت لمركبة من الصفيح السميك المملوءة بالأوساخ والروائح الكريهة، والشرطة الفظة والحاقدة التابعة لوحدة الناحشون .

حاولت الاقتراب أكثر لأتعرف على هوية صاحب النظارة ، وكان الحدث فى بداية التسعينات ، فى حينها قال ممازحاً لسائل : كم تعطينى من العمر ؟  فأجاب : 35 عام ، فرد عليه : نعم اقتربت ، بالفعل أنا مواليد العام 1958 .

سأله آخر : كيف ومتى اعتقلت ؟

أجابه : فى العام 1979 قمت بمحاولة تصفية لاحد العملاء في القدس، لكن خلل في العبوة ادى الى انفجارها فاستشهد زميلي واصبت انا في العينين والبطن والرأس والقدم اليمنى، وهكذا فقدت بصري ، وتم اعتقالي من مكان الحدث في جبل المكبر .

وقتها أنكرت صلتى بالحادث رغم أن المخابرات مارست بحقى كل أنواع التعذيب النفسى والجسدى ، الغريب أن الاحتلال يصور نفسه للعالم أنه ديمقراطى ويحافظ على القيم والحقوق الانسانية ، ومن مورس بحقه التعذيب داخل السجون يكتشف الحقيقة التى لا يراها العالم من كذبة الديمقراطية وزيف الماكنة الإعلامية ، فمسالخ التحقيق تمارس مختلف أشكال التعذيب والإهانة والإذلال والتحقير والمس بالكرامة الإنسانية والوطنية، وتفتقت العقلية الصهيوينة عن عشرات الوسائل والأساليب في التحقيق، ابتدءاً بتغطية الرأس بكيس ملوث، وعدم النوم، وعدم العلاج، واستخدام الجروح في التحقيق، ووضع المعتقل في ثلاجة، والوقوف لفترات طويلة، وأسلوب العصافير وما ينتج عنه من تداعيات نفسية، واستخدام المربط البلاستيكي لليدين، رش الماء البارد والساخن على الرأس، وتعرية الأسرى، واستخدام الضرب المبرح، وربطهم من الخلف إما على كرسي صغير الحجم، أو على بلاطة متحركة بهدف إرهاق العمود الفقري للأسير وإعيائه، واستخدام القوة المبالغ فيها أثناء التحقيق والقمع، والشبح لساعات طويلة بل لأيام، إلى جانب استخدامها أساليب الهز العنيف للرأس الذي يؤدي إلى إصابة الأسير بالشلل أو إصابته بعاهة مستديمة وقد يؤدي للوفاة ، و(الشبح) أنواع سواء ما تمثل في (الإجبار على الوقوف فترات طويلة)، أو (الوقوف رافعًا اليدين)، أو (ربط الأيدي بالأرجل من الخلف) .

وممارسة التعذيب النفسى من خلال استخدام الحيل وما فيها من أعمال الخداع، والإهانة، والتحقير، والتفتيش العاري والحرمان من النوم، والزج في زنازين معتمة رطبة، إضافة إلى الإهانات المعنوية، والتهديد بالقتل، أو النفي، أو هدم البيت، والتهديد بالقضايا اللأخلاقية، او اعتقال الزوج أو الزوجة ، واسماع المعتقل أصوات مسجلة لاستغاثات واطلاق نار، ونباح كلاب بوليسية، واستخدام الموسيقى الصاخبة، والحرمان من العبادات، وغير ذلك من ممارسات، والمحقق في الزنازين لا يتوانى من استخدام الوسائل النفسية والجسدية بهدف الحصول على اعتراف .

فى تلك اللحظة وقفت البوسطة على باب إحدى أقسام العزل ، وبدأت حالة من الاستنفار، وكأن الأمر يتعلق بعملية نقل أسير خطير فى نظر الاحتلال ، فتح السجان قفل باب العربة الحديدية واذ بسجان يقول بالعبرية ، ملف الأسير القادم أحمر ومكتوب عليه ( خطير) ، وكأن هنالك حدث قادم ، وبالفعل ، اقتادت رجالات وحدة النحشون أسير واضح عليه آثار العزل الانفرادى من ملابسه وطول لحيته ، وتكبيل يديه وقدميه بسلاسل غليظة ، وأراد أحدهم اهانته ، واذا بالمشهد ينقلب ، فى أعقاب ضرب ذلك السجان من الأسير بقلادة السلسة السميكة واذا به ينزف دما، فانهالت عليه الوحدة بكاملها ضرباً وانقطع الحديث بعد أن طلب صاحب النظارة بالبدء بالتكبير بعد وصف الحادث له ممن حوله دفاعاً عن صاحبهم ، فقامت الوحدة بتفريغ البوسطة والاعتداء على كل من فيها وحشرهم فى غرفة انتظار لا تتسع لخمسهم ، وتم نقل الأسير الذى ضرب السجان إلى مكان مجهول .

فى تلك اللحظات بدأنا نلملم جراحنا ولكنا كنا سعداء بعزة نفس صاحبنا الذى لم يرض بالمذلة ، وبموقفنا دفاعاً عنه حتى لو كلفنا الأمر ما كلف ، وتناسينا آلامنا وبدأ أحد الأسرى بسؤال صاحب النظارة السوداء ، مالذى حدث معك بعد التحقيق ؟

فضحك مبتسماً ، وقال : نعم . 

نقلت بعد التحقيق إلى سجن المسكوبية مدة اسبوع مع الشباب وبعدها نقلت الى سجن الرملة، وبعد 6 شهور من مكوثي في الرملة تمت محاكمتي في محكمة اللد العسكرية وحكمت مدة 5 سنوات وتقدمت محامية مشهورة باستئناف للبراءة وخفض الحكم سنتين، ولكنهم اصروا على ادانتي وفقاً لمعطيات وقناعات دون وجود ادلة مادية وملموسة".

ثم نقلت بعد ذلك الى سجن بئر السبع حيث امضيت سنتين ومن ثم اطلق سراحي، وحصلت على قرار من المحكمة العليا من اجل السماح بسفري الى الاردن لتلقي العلاج، ومن الاردن ذهبت الى لبنان وتمت معاينتي من قبل بروفسور هناك والذي اعطاني دواءاً من اجل استخدامه 6 اشهر لازالة اثار المتفجرات من العين اليسرى فقط ذلك لان عيني اليمنى كانت قد خرجت من مكانها".

وواصل قائلا وسط انشداد الأسرى للقصة : "في ذلك الحين كنت باتصال مع م.ت.ف وطلب مني ابو جهاد المكوث في لبنان الى حين اجراء العملية الجراحية وبعدها السفر الى المانيا، فقلت له انني سأعود الى فلسطين من اجل ترتيب الوضع مع الخلايا المناضلة، وفي القدس تابعت عملي الوطني والمهام الموكلة اليّ وبعد 6 اشهر حاولت الذهاب الى الاردن فتمت اعادتي عن الجسر بادعاء انهم سمحوا لي بالسفر مرة واحدة لتلقي العلاج".

وبقيت في فلسطين ومنعت من اجراء العملية، وبتاريخ 4/12/1981 اعتقلت للمرة الثانية على اثر اكتشاف الخلية التي كنت على علاقة معها وتم الاعتراف على بعض الامور العسكرية وكشفت القصة الاولى وهكذا حكمت مدة 20 عاماً، واثناء التحقيق معي استشهد اسير يدعى خليل صندوقة حيث ادعت سلطات الاحتلال انه كان هارباً ولقي حتفه قرب البحر الميت وانكروا اعتقاله، ولكن من المؤكد انه كان معتقلاً".

ومكثت في السجن حتى تاريخ 20/5/1985 حيث اطلق سراحي في عملية تبادل الاسرى (احمد جبريل) وبتاريخ20/4/1986 اعتقلت الاعتقال الحالي بتهمة ادارة خلايا مسلحة قامت ببعض العمليات الوطنية ضد الاحتلال .

لحظتها علمت كم يخفى هذا الفدائى خلف نظارته من بطولات ، ومن انتماء ، وحكمة وحنكة وشجاعة وقصة ابداع ورمزية .

وبعد أكثر من ساعتين تمت المناداة علينا بالاسم لنستقل عربة البوسطة الحقيرة من جديد باتجاه سجن عسقلان المركزى ، والذى لا يبعد إلا مئات الأمتار عن بيت جدى الذى تم ترحيله فى العام 1948 على يد العصابات الصهيوينة .

أحببت لحظتها أن أتعرف على هوية صاحب الرواية طوال نقلنا من سجن إلى سجن ، واذا بالسجان ينادى ( وين علاء بازيان ) ؟؟ لحظتها انشرح صدرى بمعرفة الاسم .

ودع زملاء البوسطة علاء ليواصلوا مشقة النقل إلى سجن آخر ، وتمت المنادة على اسمى ليكون القدر باصطحاب البطل علاء من يده ونقل متاعه القليل وبعض ممتلكاته ونزلنا سويا وقابلنا المخابرات وكان الحظ أن أقطن واياه  فى سجن عسقلان قسم ب غرفة 8 .

منذ دخولنا السجن استقبلنا الأسرى أحر استقبال وبما يليق بمكانة علاء ، تبادلت والأخ والصديق والحبيب الأسير المقدسي علاء الدين أحمد رضا البازيان (أبو كمال ) ابن حارة السعدية في القدس العتيقة وأحد اقدم اسرى محافظة القدس الكثير من الحوارات والنقاشات الوطنية والسياسية والفكرية والاعتقالية ، تعلمت منه الكثير الكثير .

وتفاجئت أن الأسير أبو كمال شخصية مرحة ، مثقفة وواسعة الأفق والرؤية وبارع فى نسج العلاقات الاجتماعية وكثير التواضع والود فى الحياة ، ولمجرد أن يسمع همسك وليس صوتك يشخص صاحب الهمسة والصوت ببراعة فائقة ، حتى لو بعدت عنه لسنوات ثم التقيت به يخزن بصمة الصوت ويعرف الشخص من جديد باحساس غريب وعجيب من نفس الهمسة ونفس الصوت ، وهذا ما حدث معى تكراراً خلال اعتقالى وتنقلى ولقاءى به.

اعتقل الأسير البازيان سابقاً في العام  1979، ثم أفرج عنه بعد عامين، وأعيد اعتقاله في 1981، ثم تحرر من سجون الاحتلال في 1985، قبل أن يعتقل للمرة الثالثة فى العام 1986 ، وتم الافراج عنه فى صفقة وفاء الأحرار فى العام 2011 ، وتزوج وأنجب ابنتين ( انتصار ومنار ) وبعد ثلاث سنوات فى العام 2014 أعيد اعتقاله من جديد ، وأعاد له حكمه السابق بالسجن المؤبد .

أكثر ما آلمنى هو كلمة ابنته انتصار له والذي حرمها الاحتلال، من حضنه والعيش معه، منذ أكثر من 6 سنوات : "بدي إياك تروح من السجن يا بابا عشان أنوَرلك عينيك " .

ولازال الأسير علاء البازيان يتصدر الشخصيات القيادية التى تعمل على بث الروح الجماعية بين المعتقلين وترسيخ التربية التنظيمية الهادفة إلى الالتزام والانضباط، و نشر التوعية بكل إشكالها والعمل على إحباط ومواجهة مؤامرات الاحتلال ومواجهة إدارة المعتقل، وتهيئة المعتقلين لمراحل نضالية ضد إدارة مصلحة السجون .

ولا يزال بإمكانياته الثقافية والنضالية، وبإرشاداته وتجربته الاعتقالية ، يضع الأسرى الجدد على السكة الصحيحة للوصول إلى بر الأمان، وحماية الذات، ونقل الخبرات والتجارب، لبناء كوادر واعية قادرة على نقل التجربة، والإفادة والاستفادة منها فى آن واحد، متمنياً أن تعاد الكرة فى الافراج عنه من جديد ليلتقى بزوجته وابنته ومحبيه والمسجد الأقصى .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة : هذه القصة تجمع بين الواقع والخيال والمنقول فى مقابلة على لسان الأسير علاء البازيان فى وصف حياته واعتقاله وتحرره لوسائل الاعلام.

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق

المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد