آخر الأخبار

الأسير نائل البرغوثى أيوب فلسطين - بقلم الدكتور رأفت حمدونة

كيف أبدأ ومن أين ؟ عند الحديث عن أيوب فلسطين وأحد أهم أعمدة الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية الأسير البطل نائل صالح البرغوثى (أبو النور)، أبدأ من شجرة الليمون ، من حكايا الحجة فرحة، من العشق اللامتناهى لكوبر ورام الله وفلسطين ، من سجن نفحة وفورة عسقلان والنخلة ، من الروح الإيجابية ، من عنوان العلاقات الوطنية ، من اللون البنى وبدلة الاعتقال ، من رائحة الفدائيين الأحرار، من حلم الحرية والسيادة والاستقلال ، من مواقف الرجولة في العشرين ، من الشهامة والرجولة والرزانة والوقار بسن الثلاثين ، من براءة الطفولة في الخمسين ،من العقل وسعة الأفق والفكر والثقافة وكل الفخر أتحدث ، عن نائل البرغوثى المعتقل في أبريل/نيسان 1978 بعمر 19 عاما، المحكوم بالسجن المؤبد مدى الحياة  ، المفرج عنه في صفقة وفاء الأحرار في العام 2011 بعدما قضى 34 عاما متواصلة في الأسر ثم أعاد الاحتلال اعتقاله بعد ثلاث سنوات ، وحُكمه بالسجن 30 شهرا بعد اعتقاله الثاني، والمفاجئة بعد انتهائها بقرار إسرائيلي يعيده إلى حكم المؤبد لحتى هذه اللحظة .

 

خبراء في الهندسة البشرية و الطواقم ذات النظم والهياكل المعقدة والمتخصصة والمدربة، هدفت خلال اعتقال نائل لتحطيم الروح النضالية والوطنية والمعنوية له وللأسرى والأسيرات الفلسطينيات في السجون ، وسعت بكلّ الوسائل الممكنة وغير المشروعة قانونياً وإنسانياً إلى جعل السجون مقابر له، من خلال مجموعةٍ من السياسات، كممارسة التعذيب النفسي والجسدي، والعزل الانفـرادي، واستخدام الأساليب الردعية والمعاملة غير الإنسانية وغير الأخلاقية، والحصار الثقـافي، والتهديد بالعودة لبدايات الاعتقال الأولى، والتشويش الفكري، والاقتحامات الليلية والتفتيشات العارية، ومصادرة الممتلكات، والقتل المباشر، ومنع الزيارات، وتصاعد الاعتقالات الإدارية، ومنع التعليم الجامعي والثانوية العامة وإدخال الكتب، وسوء الطعام كمًا ونوعًا، وسياسة الاستهتار الطبي وغير ذلك من انتهاكات ، إلا أنه وزملائه لم يستسلموا لمخططات إدارة السجون، فكان " نائل" وزملائه الأقدر على  قراءة الواقع من حيث حاجة الأسرى للمطالب والحقوق، ودراسة الأوضاع  من حيث القوة والضعف، ودراسة جميع البدائل وفق الإمكانيات المتاحة، والأهم اختيار وسيلة النضال الأكثر تأثيرًا وأقل تكلفةً وأكثر ملائمةً في مواجهة السجان، تارةً بالخطوات التكتيكية وأخرى بالاستراتيجية، وبالوسائل السلمية والعنيفة، وبالحوارات والإضرابات والمواجهة وترجيع الوجبات، والحرب النفسية ، وبالكثير من التضحيات وبقيادة " نائل" والنخب التنظيمية من كل الاتجاهات انتقلت الحركة الأسيرة من ضعف التجربة إلى الخبرة والقيادة، ومن العجز إلى الإعداد والريادة، ومن الاستهداف إلى الحماية والأمن، ومن غياب الكادر إلى إعداد القادة، وتم الانتقال من مرحلة إلى أفضل، من العفوية وفقدان الاتزان، إلى مرحلة بناء الذات والتجربة والخطأ، إلى مرحلة التكوين التنظيمي ومأسسة البنى التنظيمية، إلى مرحلة البناء وسيادة السلطة التنظيمية، إلى مرحلة النضال الشامل والنضج والمخاض والانتصار والعزة والكرامة وتحقيق معادلة الرعب مع طواقم إدارة مصلحة السجون، ومن ثم الوصول إلى حالةٍ حقيقية من الإبداع على كل المستويات التنظيمية والإدارية والثقافية والمالية والأمنية والخارجية.

استغل " نائل" والأسرى من حوله أوقاتهم بالجلسات الثقافية وبناء الهياكل التنظيمية والتعمق في العلوم والمعارف ودراسة تجارب حركات التحرر العالمية، والتعلم في الجامعات الفلسطينية والعربية والعبرية والدولية، وحصلوا على الشهادات، واهتموا بالثقافة التي كانت من أهم معالم الحياة الاعتقالية، التي صاغتها الحركة الأسيرة منذ نشأتها، وبرزت حاجة الأسرى لبلورة جوٍ ثقافي منذ بدايات تشكل نواة الحركة الأسيرة، من خلال ملء الفراغ الناجم عن اعتقالهم والاستفادة من الوقت، والإبداع في هذا الجانب هو محاولة نقل الوقت من نطاق سيطرة السجان إلى نطاق سيطرة الأسير.

وصنع " نائل" بتجربته الكثير من مظاهر الإبداع في السجون، ولعل أهمها تخريج القادة، المتمتعين بالخيال الواسع، وعدم الاستسلام للمشكلات، والتحلي بالصبر للوصول إلى الحلول بأقل التكلفة وأقل الإمكانيات، قادة يتمتعون بالانضباط الذاتي، و يميلون للاستشارة في اتخاذ القرار، ومتقبلون للنقد الذاتي والبناء عليه للوصول إلى الأفضل، متصفون بالعقل المفتوح، والتحلي بالمرونة والاتصاف بالحساسية المطلوبة نحو المشكلات، والقدرة على توليد الأفكار الجديدة، والحزم والقدرة على السيطرة والتوجيه والإشراف، والتميز بالمثابرة وتحمل المسؤولية، وعدم الاستسلام لإدارة مصلحة السجون الإسرائيلية ومخططاتها القمعية وسياساتها العنصرية، والقدرة على التكيف مع المحيط والتقلبات رغم التنقلات وكثرة المتغيرات، والتطلع بنظرة تفاؤلية للمستقبل، والقراءة الجيدة للماضي، وأخذ العبرة من التجارب السابقة، وقراءة واعية للواقع، واستشراف للمستقبل مع اليقين بالنصر والحرية، وتسلح " نائل" بكل تلك الصفات المبدعة، وبتجربته والقيادات والنخب بنوا الهياكل التنظيمية، التي هيئت كل الظروف والأجواء لانطلاق كافة أشكال الإبداع للحركة الأسيرة، والتي حكمت جميع العلاقات وضبطتها بلوائح وقوانين، وضبطت الأسرى والأسيرات للالتزام بالحياة الجماعية المنظمة، والرقابة على سلوكهم، وأوجدت الضوابط التي تحكم الأسير بإطاره التنظيمي وبتحديد حقوقه وواجباته، والتي تحكم الأسير بالكل الاعتقالي.

وأوجد " نائل" وأحبته من القيادات على طول الاعتقال اللوائح والمواثيق التي تحكم عمل المؤسسات الاعتقالية بين الفصائل، وجرمت الأعمال الفردية غير المنظمة وغير المغطاة ولو ضمنياً من الأطر التنظيمية والمؤسسات الاعتقالية، وأكدت على الالتزام بالقرارات الاعتقالية العامة ، وشكل القلم  بندقية نائل، والورقة ساحة المعركة الاعتقالية لديه على كل الجبهات، وقام وزملاؤه بالتضحيات ودفعوا عشرات الشهداء للحصول على القلم والقرطاسية وإدخال الكتب والصحف والمذياع والتلفاز، ودرس " نائل" والأسرى الكثير من التخصصات في شتى المجالات "في علم الاجتماع وعلم النفس، والعلوم الإنسانية، والعلوم الإدارية، والسياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والدينية"، وتعلموا اللغات وانتسبوا للجامعات وحصلوا على الشهادات ومنها العليا، وبصبرهم وصمودهم وإمكانياتهم البسيطة، استطاعوا أن يحولوا زنازينهم لصفوف دراسية، وحلقات تعليمية، ودورات ثقافية، ومحاضرات جامعية، وفي الوحشة والظلمة كتبت القصائد الشعرية، والروايات الأدبية، والكتب الفكرية، والتجارب الأمنية، والتوجيهات التنظيمية والاطلاع على الثقافات والمعارف والحضارات.

ومارس " نائل"  وزملاؤه تجربة الديمقراطية بين جدران سجون مغلقة، وممارسات قمعية قهرية غير معقولة من قبل سلطات الاحتلال، ولكن المسيرة الديمقراطية تطورت في السجون مع تطور الأوضاع الداخلية للأسرى مرحلةً بعد أخرى، فأسس " نائل" والأسرى في السجون مجتمعًا قائمًا على تدوال السلطة، وإجراء الانتخابات لاختيار القيادة التي تدير شؤون مجتمع الأسرى في المعتقلات، واحترام الحقوق الأساسية كمبدأ المساواة والحقوق كحق التعبير عن الرأي، وحق الفرد في حماية المجتمع له من الاعتداء على شخصه أو كرامته الإنسانية، ووجود القوانين التي تحكم الحياة اليومية، وتنظم علاقة الفرد بالفرد، والفرد بالمجتمع، وفصل السلطات، ووجود عقد اجتماعي يتم التنازل من خلاله عن جزء من الحرية النسبية التي يتمتع بها الأسرى، وتفويض جهة منتخبة لهذه السلطات لكي تصرف شؤونهم باسم المجموع.

وخاض " نائل" والأسرى طريقة النضال السلمي الاستراتيجى المتمثل بالإضراب المفتوح عن الطعام " الفردي والجماعي " كأحد وسائل النضال المؤثر، هذه الوسيلة التي تعد امتداداً لأحد أشكال النضال العالمي، ولقد أثبت " نائل"  بطولة غير مسبوقة بخوضه عشرات الاضرابات المفتوحة عن الطعام منذ لحظة اعتقاله لحتى اللحظة ، مع العلم أن الإضراب المفتوح عن الطعام ليس هدفاً بحد ذاته لديه، بل هو الخيار الأخير، غير المفضل بعد استنفاذ كافة الخطوات النضالية التكتيكية.

وأفشل " نائل" وزملاؤه الأسرى كل مخططات إدارة مصلحة السجون بتحويلهم لعبءٍ يثقل كاهل المجتمع بعد تحررهم، ونتيجة إبداعاتهم خرجوا قادةً سياسيين وعسكريين فهموا حقيقة عدوهم بأكثر وعي وحكمة ودراية وعمق، وشاركوا في مجتمعاتهم كخبراء ومختصين، وكتاب وأدباء وصحفيين، وانخرطوا في المؤسسات الرسمية والأهلية والفصائل الوطنية، قادة ومفكرين، وأمناء لتنظيماتهم وأعضاء مجلس وطني ووزراء حكوميين.

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق

المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد