آخر الأخبار

الخطوات النضالية والاضرابات المفتوحة عن الطعام ( حالة ابداعية مع همسة نقدية ) بقلم المحرر الدكتور رأفت حمدونة

في البداية أوجه الشكر والإحترام الكبير لمركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة وعلى رأسه الدكتور المحرر فهد أبو الحاج ، ولجامعة القدس - أبو ديس وعلى رأسها أ. د عماد أبو كشك لرعايتها المركز ودعمها له ولكل ما يتعلق بالأسرى والأسيرات في السجون الإسرائيلية .

وإنه من دواعى الفخر، أن تعقد الجامعة كل عام مؤتمراً خاصاً بإبداعات الأسرى وتداوم على ذلك ، لأن الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة ، فالأسرى واجهوا العراقيل والعقبات التي وضعها السجان لتحطيم معنوياتهم وللحيلولة دون تطوير إمكانياتهم وقدراتهم، وأبدعوا في إيجاد المؤسسات الديمقراطية للتنظيمات الفلسطينية في السجون، وبين السجون، وفي السجن الواحد، وفي التنظيم الواحد، وأبدعوا في تجربة الإضرابات المفتوحة عن الطعام والتي وصلت لمئات الأيام، وأبدعوا حينما أوجدوا معادلة توازنٍ بينهم وبين إدارة مصلحة السجون، رغم الإمكانيات الأخيرة مقابل افتقار الأولى للإمكانيات المادية، وأبدعوا في أشكال التواصل والاتصال بين السجون وخارجها، وفي تجارب التعليم وحصولهم على الدراسات العليا من جامعاتٍ إسرائيلية وعربية ودولية، وأبدعوا في البناء الثقافي، وفي التأثير السياسي، وصياغتهم لوثيقة الأسرى التي تحولت لوثيقة الوفاق الوطني الفلسطيني لتحقيق الوحدة الوطنية، وأبدعوا في إدخال الهواتف النقالة لداخل السجون لتوفير الاتصال بالأهل في ظل منع الزيارات لسنواتٍ طويلة، وفي إخراج النطف وإنجاب الأطفال كتجربةٍ غير مسبوقة على مستوى حركات التحرر العالمية.

وأبدعوا حينما حولوا السجون إلى مدارس وطنيةً وتربويةً ودائرة من دوائر العمل النضالي الإبداعي فصاغت وبلورت طلائع الأسرى والمعتقلين، الذين كان لهم عظيم التأثير في بلورة الوعي النضالي والديمقراطي في المجتمع الفلسطيني ([1])، وكان لآلاف الأسرى المحررين دورهم في هذا الاتجاه، بعد أن تخرجوا من أكاديمية السجون وتصدروا المواقع والمراكز المتنوعة، وتبوؤوا مواقع سياسية وأماكن مهمة في المؤسسات المجتمعية المختلفة ولعبوا ولا زالوا دوراً مؤثراً في الحياة السياسية، والفكرية، والاجتماعية، والإعلامية، كقادة سياسيين وعسكريين، ووزراء ونواب وأمناء عامّين وأعضاء مكاتب سياسية لفصائل وحركات ثورية، وأعضاء فى المجلسين " الوطني والتشريعي"، ومدراء لمؤسسات رسمية وأهلية، وخبراء ومفكرين، ونخب أكاديمية وإدارية.

وأنه لمن من العقل والإنصاف لجامعة القدس أبو ديس ولمركز أبو جهاد أن يتحليا بالجرأة أن يكون عنوان مؤتمرهم هذا العام ( نقد الحركة الأسيرة ) في مجال الأدب والثقافة والديمقراطية والإدارة والتنظيم والتعليم والتأثر والتأثير بالمتغيرات السياسية ، تحت قاعدة أن كل شخص أو مؤسسة أو مسيرة تاريخية وانسانية ( لها وعليها )، بهدف التقييم والتقويم وتصويب الثغرات والاخفاقات بعد أكثر من نصف قرن على هذه المسيرة .

 ولا يختلف اثنان على مدى صعوبة النقد الذاتي وتأثيره على الفرد ، إلا أن تجربة النقد لمجتمع أو مسيرة كالحركة الأسيرة التى نفخر بتجربتها، وقد لا نقبل بشىء يمس القولبة الايجابية والابداعية لكوادرها ولبطولة أصحابها الذين تميزوا بالنخبوية والقدرات الذهنية والفكرية والتنظيمية وغيرها .

وأعتقد رغم كل ما سبق ، فعملية النقد صحية للحركة الأسيرة خاصة أنها تأثرت بالكثير من المتغيرات وأدخلت الأسرى والأسيرات بعدد من الحسابات التى خلفت بعض الثغرات ، وسيكون مجال ورقتى تقييم اتخاذ القرارات والخطوات النضالية – الاضرابات المفتوحة عن الطعام نموذجاً .

أولأ : قضية الأسرى هي نتاج لقضية وصراع سياسي، فقد كانوا من أكثر الفئات تأثرًا بكل جديد على الساحة السياسية (الرياحي, ص91)، ومن خلال كل مستجد على الساحة الفلسطينية مع الاحتلال أثبتت الحركة الأسيرة أنها طليعة النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال، وأنها بفعل واقعها الموضوعي تتبوأ الصدارة في قلب الصراع اليومي معه (مركز أبو جهاد لشئون الحركة الأسيرة, 2014, ص134).

وأعتقد أن المتغير السياسي له انعكاسه في الحركة الأسيرة وأثره على أداء المعتقلين، فالحركة الأسيرة منذ بداية نشأتها تعيش في حالة من الاستنفار المتواصل، وتشعر باستمرار المعركة المحتدمة، وانتقلت من حالة إلى حالة بمد وجزر وفق المتغير السياسي ومدى قوة جبهة النضال الفلسطيني والعربي الخارجي في معركتها النضالية مع الاحتلال الإسرائيلي، ويتبين حجم التأثر والتأثير بالمتغيرات السياسية المركزية .

وأرى استناداً للأوضاع السياسية أن أفضل حالات الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة في السجون الإسرائيلية كانت في المرحلة ما بين ( 1986 – 1994م) فتميزت الحركة الأسيرة في هذه الفترة بقوتها ووحدتها وتناسق خطواتها أمام إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية، والالتفاف الكبير حول قضيتهم في أوساط القوى الوطنية والإسلامية والشارع الفلسطيني، والروح النضالية والثورية التي كان يتسلح بها الشعب الفلسطيني والأسرى في السجون في أعقاب الانتفاضة، وبسبب قوة التنظيمات في المعتقلات رغم كبر العدد نتيجة الاعتقالات التي لم تشهد الحالة الفلسطينية لها مثيل منذ الاحتلال الإسرائيلي، وقوة المؤسسة الاعتقالية في السجون، والتزام الأسرى، وعدم انشغال أذهانهم بأي متغير فلسطيني داخلي كانشغال الأسرى بالإفراجات السياسية كما حصل في أعقاب اتفاق أوسلو أو آثار الانقسام الفلسطيني على حساب بناء الذات وقوة التظيمات في السجون أمام إدارة مصلحة السجون.

وفيما يتعلق بالخطوات النضالية في مرحلة ذروة الانتصارات كان اضراب 27/9/1992 ، والذى تميز بوحدة الحركة الأسيرة والقدرة على قراءة الواقع من حيث حاجة الأسرى للمطالب والحقوق، ودراسة أوضاعهم من حيث القوة والضعف، والتعمق في النظر للواقع الإسرائيلي من حيث شكل الحكومة وائتلافها وشخصية وزير الأمن الداخلي المسؤول عن إدارة مصلحة السجون والمسؤول عنها، والأوضاع الفلسطينية ومكانة الأسرى ضمن أولوياتها في ظل زحمة الأحداث والهموم، ومراقبة الأوضاع العربية والعالمية، والحكمة في اختيار الظرف والتوقيت المناسبين، ودراسة جميع البدائل وفق الإمكانيات المتاحة ، والقيام بالمراسلات التي توضح ظرف الأسرى وتعنت الاحتلال في التعاطي مع مطالبهم، والمطالبة بالمساندة والدعم من قبل (المؤسسات التي تُعنى بقضية الأسرى، والمؤسسات الحقوقية والانسانية الفلسطينية والعربية والدولية، الرسمية منها والأهلية، ووسائل الإعلام، والنقابات والاتحادات، والمجالس الطلابية للجامعات، وأعضاء الكنيست العرب، والمتضامنين مع القضية الفلسطينية، والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي، وغير ذلك من الجهات المتضامنة والصديقة)([2]) ، ومن ثم تحديد ساعة الصفر بعد فشل كل المحاولات مع إدارة مصلحة السجون وبعد ملائمة الظروف الذاتية المتعلقة بالأسرى، والموضوعية ذات العلاقة بالأوضاع الفلسطينية والسياسية العامة للمحيط والمنطقة، وشكل الحكومة الإسرائيلية وائتلافها وتوجهاتها([3])، وكانت تبرز قضية الإبداع لدى الأسرى في الإضرابات المفتوحة عن الطعام بعملية التخطيط والتنسيق والتعبئة وتوفير عوامل النجاح المتمثلة ب:-

تحديد الأهداف "الدنيا كخطوط حمراء لا يمكن التنازل عنها بأي حال من الأحوال([4])، والأهداف القصوى كطموح يأمل ويتمنى الأسرى من تحقيقها"، والعمل على دقة التخطيط والتوقيت ونضوج الظروف الذاتية والموضوعية.

التعبئة النضالية والمعنوية عبر الجلسات والتعاميم النضالية، والإرشاد والتوجيه والتنويه للمحظورات، ووسائل إدارة مصلحة السجون لكسر الخطوة وإفشالها، ويتم التركيز على الأسرى الجدد الذين لم يخوضوا تجارب إضرابات سابقة، معتبرين أن الإضراب المفتوح عن الطعام في يد المعتقل (كالنار الذي يتطهر به نضالهم) ([5]).

العمل على شمولية الخطوة النضالية وذلك بامتدادها لكل السجون والمعتقلات كجبهة موحدة واسعة تربك إدارة السجون وتوسع رقعة التضامن الخارجي.

العمل على وحدة الصف الاعتقالي وزيادة ترسيخ الوحدة الوطنية الاعتقالية، وتنقية الأجواء الاعتقالية والتعالي على الخلافات وأشكال الشرذمة ([6])، حيث أن إدارة مصلحة السجون تراهن على الخلافات لإفشال الخطوات الاستراتيجية كالإضراب المفتوح عن الطعام ([7]).

التركيز على كل الجهات والمؤسسات الرسمية والأهلية الإعلامية والجماهيرية والحقوقية الفلسطينية والعربية والدولية من خلال المراسلات.

القدرة على قراءة الظروف والمستجدات العامة، وخاصة التركيبة الفلسطينية والإسرائيلية الداخلية ومؤخراً التطورات والأحداث العربية المحيطة كجهات داعمة ومساندة.

وحدة القرار والاتفاق على قيادة الإضراب وتكوين قيادة مركزية وطنية موحدة تتحدث باسم كل قلاع الأسرى، وإيجاد قيادات ظل بديلة في حال النقل والعزل لبعضهم، والتحذير من الالتفاف عليها بقيادات فرعية للسجون قد تؤدي لشرذمة القرار الوطني العام، الذي قد يؤدي لانسحابات منفردة للبعض على حساب الآخر، بوعود وامتيازات خاصة بكل سجن.

القيام بعدد من الخطوات عند كل محطة([8]).

كفترة التحضير: حيث أن إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية تقدم على عدد من الخطوات قبل الإضراب كتكثيف الاجتماعات مع لجنة الحوار واللجنة الوطنية العامة لقراءة الموقف والتعرف على المطالب، ومن ثم بإطلاق الوعود الكاذبة وكسب المزيد من الوقت بحجة فحص المطالب، ومن خلال بث الإشاعة السلبية والمغرضة عن عدم جدوى الخطوة، وأن الخارج مليء بالهموم والمشاكل والاهتمامات البعيدة عن قضية الأسرى، ونشر الأخبار المحبطة بعدم الاستجابة للأسرى ولو أدى الأمر إلى استشهاد أعداد منهم، والبدء بالنقليات وعزل القيادات لخلق البلبلة والإرباك ووقف التنسيق بين السجون.

وفترة دخول في الإضراب: حيث أن إدارة السجون تقوم بالعديد من الإجراءات في أعقاب الدخول في خطوة الإضراب مثل (كالإعلان عن حالة الطوارىء، واستدعاء قوات كبيرة من السجانين والبدء بسحب كل ممتلكات الأسرى والأغراض من الغرف والكهربائيات وخاصة التلفاز والراديو ومنع الصحف لعزل الأسير عن العالم الخارجي وعدم اطلاعه على حالات التضامن التي تقوي عزيمته، وسحب كل ممتلكات الأسرى باستثناء الفرشة وغطاء للأسير، وبعض الملابس القليلة ومنشفة والقليل من الملح وأحياناً يتم سحبها ومعجون الأسنان والشامبو، وتبدأ بحملات التفتيش، وتقليص ساعات الفورات لساعة واحدة في اليوم، ثم يمتد المشروع لعزل المزيد من القيادات والكوادر المؤثرة التي تمثل مجموع الأسرى، ويتم منع زيارات الأهالي والمحامين، والمؤسسات الحقوقية والدولية كالصليب الأحمر الدولي في كثير من الأحيان([9])، ومع امتداد الإضراب تحاول إدارة السجون تجاهل إضراب الأسرى والتعمد بعدم الاجتماع بهم أو مناقشة مطالبهم، وتصعد من إجراءاتها القمعية فتجلب مجموعة من المدنيين الجنائيين اليهود في غرفة وسط قسم الأسرى المضربين([10])، ويقوموا بشويْ " اللحوم المدهنة وقليْ الباذنجان والطماطم " عمداً بهدف نشر رائحته القوية، للتأثير على نفسيات ومعنويات المضربين، وإزعاج القسم بالموسيقى الصاخبة ([11])، وفي بعض الأحيان يتم نقل أعداد من الأسرى من بينهم قيادات وكوادر ونخب وإجبارهم على نزع ملابسهم تماماً وضربهم، ومساومتهم في العيادات ([12])، وفي كثير من الأحيان قامت الإدارة بالاستفراد بالأسرى عند نقلهم والاعتداء عليهم جسدياً، أو قتلهم([13]) بشكل غير مباشر من خلال إطعامهم قسرياً بالتغذية القسرية ([14]).

وفى نهاية الإضراب: تقوم إدارة السجون باشتراط التعاطي مع المطالب بفك الإضراب، وأنه لا يمكن أن يتم إخضاع إدارة السجون بالقوة، وأنها تحتاج لفحص المطالب مع الجوانب الأمنية والسياسية، ومع الوقفات الشعبية الخارجية، وأشكال الضغط من قبل المؤسسات الحقوقية والدولية، والتدخلات الخارجية من جهات رسمية وأهلية، والاحتكاك المباشر بين المتضامنين والجيش المستوطنين والتخوفات من انتفاضات تحمل شعار الأسرى، وتكثيف الدور الإعلامي، والتخوف من عواقب استشهاد عدد منهم، وفي ظل هذه الظروف تقوم الطواقم المفاوضة الإسرائيلية المفاوضة بالاجتماعات المتكررة ومحاولات الالتفاف عليها من خلال البدائل، كالموافقة على الجامعة العبرية بدل الجامعات الفلسطينية والعربية، وشراء احتياجات الأسرى من الكانتين بدل إدخالها عبر الأهالي، والموافقة على بعض القنوات الفضائية العربية الترفيهية والعبرية وليس الإخبارية وفق طلبات الأسرى، وإدخال عدد من الكتب بقدر إخراج مثيلها.

في تلك الظروف الحساسة تبدأ معركة (العض على الأصابع) من خلال رفض الأسرى لبدائل إدارة مصلحة السجون، والإصرار على مطالبهم كاملة، في أعقاب التضحيات الجسام وسقوط الشهداء في بعض المعارك، وفي ظل الشعور بالمساندة القوية من قبل الجماهير الفلسطينية والعربية والدولية ووسائل الإعلام، وأحياناً يتم الوصول لحلول توافقية في حال الشعور بضعف أشكال المساندة، أو التخوف من حالات استشهاد لطول الإضراب، أو نتيجة ظروف معينة ذات العلاقة بالمحيط السياسي، أو بشكل ائتلاف الحكومة الإسرائيلية وتعنتها، أو لأسباب أخرى.

وللأمانة في البحث ، وتقييم التجربة النضالية ومسيرة الاضرابات المفتوحة عن الطعام ، فالإضرابات تفاوتت نتائجها، ولم تكن بمستوى متوازي من الإنجازات، فكلٌ له ظروفه ، وعلى سبيل المثال أن اهتمام الأسرى بالإفراجات السياسية في أعقاب اتفاق أوسلو وتراجعهم في الخطوات النضالية وعلى الصعيد التنظيمي والاعتقالى والثقافي واختلافهم ما بين مؤيد ومعارض للوضع السياسي نتج عنه ثلاث اضرابات سياسية خاضتها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في السجون بهدف جعل قضية الأسرى على رأس الأولويات في المفاوضات ، كما أن الانقسام الفلسطينى في يونيو 2007 كان له عظيم التأثير ولازال على الأسرى ، حيث أن إدارة مصلحة السجون استغلته في تعزيز الانقسام في السجون على شاكلة الانقسام خارجها ، وأصبح من المستحيل الاجماع أو حتى التوافق على خطوات نضالية موحدة ، ونتج عنها اضرابات الفصائل – وليس اضرابات جماعية موحدة ، فالاضرابات الأخيرة للأسف لم تأخذ كافة عوامل النصر والتحضير كما ذكرناها أعلاه ، والتى كان يتم التعامل معها من قبل الكل الفلسطينى في السجون كشرط أساسى لنجاح الاضرابات المفتوحة عن الطعام ، وللأسف أصبحنا نرى خطوات نضالية واضرابات عن الطعام مفتوحة فصائلية غير وحدوية كما حدث باضراب 2011 لأسرى الجبهة الشعبية بشراكة مع فصائل أخرى ، واضراب  2012 لأسرى حماس والجهاد الاسلامى ، واضراب 2017 لأسرى حركة فتح ، الأمر الذى أثر بشكل سلبى على قوة الاضرابات ، ومطالبها ، ونتائجها ، وشكل وحجم حالة الدعم والمساندة لها .

ولهذا أعتقد أن الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة تحتاج لعملية نقد وتقييم وتقويم على هذا الصعيد ، والتسلح كشرط للانتصار في خطوات جماعية وحدوية مستقبلية لتحديد أهداف جماعية ووطنية ، والتوافق على المطالب ، والتأكيد على وحدة القيادة في اتخاذ القرارات عند كل فترة ( ما قبل الاضراب وأثناءه ولحظه فكه ) والعمل على نبذ الفرقة وحالة الشرذمة والانقسام ، ومحاربة محاولات الالتفاف على الموقف تحت أى حجة من قبل إدارة مصلحة السجون الاسرائيلية التى تستغل المتناقضات، والأهم الاستفادة من التجربة الاعتقالية النضالية وخاصة تجربة الاضرابات السابقة المفتوحة عن الطعام في السجون ، وتدريسها عبر جلسات تنظيمية للأسرى الجدد .    

وأعتقد أن الأسرى المزودون بإيمانهم وعدالة قضيتهم وقناعاتهم بمعاركهم يستطيعوا تجاوز الثغرات والعوائق والعقبات لو توفرت الإرادة والعزيمة ـ فهم دوماً أثبتوا من خلال إشهار سلاح جوعهم وشهدائهم، وأرطال لحمهم أن الكف باستطاعتها أن تهزم المخرز، وأن الإرادة أقوى بكثير من القوة ([15])، وأن قلة الإمكان تهزم الإمكان مهما بلغ ظلمه وجبروته بقوة الحق، فنجحوا بعزيمتهم من انتزاع موافقة إدارات السجون على توفير شروط انسانية وثقافية وصحية واجتماعية ضرورية للإبداع ([16])، ولولا تلك التضحيات الكثيرة خلال مسيرة اعتقالهم الطويلة والمتكررة لما تحققت الطموحات الكبيرة فى حياتهم.

وأرى أن عمق التجربة لهذه المعارك النضالية "الإضرابات المفتوح عن الطعام" وبما تحمل من معاناة وعذابات وصبر وانتظار للنصر، ومن جهد المفاوضات المضنية مع عدو أكثر شهرة على طول التاريخ بقضايا التسويف والتلكؤ والمكر والخديعة والالتفاف على الحقائق وتزوير الواقع، أن الإضرابات المفتوحة عن الطعام في السجون تمثل ذروة سنام العملية الكفاحية والمقاومة السلمية.

فبالإضرابات المفتوحة عن الطعام هزم جنرالات الصبر الفلسطينيون جنرالات الحرب الصهاينة، وانتصرت رغبة الحياة على مخطط الموت، وانتزعت الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة حقوقها من مخالب القهر والظلم المتمثلة بإدرة مصلحة السجون الإسرائيلية.

وأعتقد أن لا مجال لتصور واقع السجون على مدار عشرات السنين بلا إنجازات نتائج الإضرابات المفتوحة عن الطعام كخطوات استراتيجية، فبالإضرابات انتقل الأسرى من زنازنين مفتقرة للكرامة الانسانية لأماكن اعتقال مفعمة بالعزة والأنفة والنصر والكبرياء ، ومن باستيلات تسعى لصهر حالة النضال ودفن قوة النصر الكامنة في نفوس المناضلين إلى أماكن تنصقل فيها بنية الرجال الوطنية والنضالية والثقافية والأخلاقية، وتتربى فيها الأجيال الفلسطينية لتخرج الكفاءات والقيادات المتمتعة بالقدرات والإمكانيات، لذلك يطلق على الإضرابات أُمْ الخطوات الإبداعية، التي ولدت بنتائجها الإبداعات الأخرى على شتى الصعد والمجالات داخل المعتقلات.

ومن هنا كأسير محرر وباحث وأكاديمى أتمنى أن يتحملنى إخوانى وأحبائى الأسرى في هذه الورقة النقدية ، كونها نبعت من دافع الغيرة والانتماء لهم وللحركة الأسيرة ، متمنياً أن تشهد الأيام المقبلة مشاهد حرية وفرحة بالافراج عنهم ، ومشاهد عزة ووحدة وانتصار في خطواتهم النضالية الجماعية .

 

 

 

 


([1]) خالد الهندى: التجربة الديمقراطية للحركة الفلسطينية الأسيرة، رام الله، مؤسسة ناديا للطباعة والنشر، 2000، ص190.

([2]) سليم حسين الزريعى: مقابلة أجراها الباحث، 10/1/2015، غزة.

([3]) الأسير المحرر علام الكعبى: مقابلة أجراها الباحث، 18/6/2015، غزة.

([4]) سلمان جاد الله: المواجهة والاحتراف، مرجع سابق، ص2 – ص60.

([5]) محمد القيسي، "الهواء المقنع - أبو على شاهين 15 عام فى الاعتقال"، مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة،2014 ، ص192.

([6])عبد الحق شحادة، "أوراق من خلف جدران الأسر"، غزة، فلسطين، بدون دار نشر، 2010، ص52.

([7]) حلمي عنقاوي، "المراحل الأولى للمسيرة خلف القضبان"، الطبعة الأولى، رام الله، مطبعة الغد، 1995، ص251.

([8]) طارق أبو شلوف: ملحمة الكرامة 2012، غزة، فلسطين، الناشرمؤسسة مهجة القدس للأسرى والشهداء، 2013، ص95 .

([9]) طارق أبو شلوف: ملحمة الكرامة 2012، غزة، فلسطين، الناشرمؤسسة مهجة القدس للأسرى والشهداء، 2013، ص95 – 96.

([10]) فؤاد قاسم الرازم: مقابلة أجراها الباحث، 3/11/2015، غزة.

([11]) سيطان الولى: سلال الجوع، رام الله، فلسطين ،الرعاة للدراسات والنشر، 2006، ص102..

([12]) حدثت مثل تلك الانتهاكات مع 26 معتقل تم نقلهم من نفحة إلى الرملة فى اليوم التاسع من الإضراب فى 21/7/1980، واجبارهم على تناول الحليب بالقوة والعنف وفى سجن الدامون فى مايو /آيار 1970، أما على صعيد الأطباء وعيادة السجن فغالياً ما تتحول من مكان للشفاء، وإغاثة المرضى إلى مكان لمساومة الأسير المضرب على موقفه، وإلى ساحة صراع ساخنة، فتحاول الطواقم الطبية فى السجون كسر الإضراب من خلال عرض الطعام والشراب على الأسرى الذين يتم نقلهم للعيادات بسبب حالات الإغماء والإعياء، وتحذر الأسرى من خطورة الإضراب على حياة ومستقبل الأسير، وتلعب العيادة دور الثعلب الماكر من خلال السياسة الناعمة، وفى عيادة السجن فى اضراب نفحة عام 1980م حمل أحد الأطباء ويدعى " فيلمتن" هراوة وقام بضرب الأسرى ووضع الكلبشات فى إيديهم، وأطعم المضربين بالأنبوب عنوة، وقتل الأسرى الثلاثة " على الجعفرى وراسم حلاوة وإسحاق مراغة "، ومن الاجراءات بدء الإدارة بالحرب النفسية بالإشاعة أو عبر مكبرات الصوت، وبخلط القليل من الحقائق بالأكاذيب لتحويل الاكاذيب حقائق، وبتوزيع نشرات مطبوعة تتضمن مخاطر الإضراب والتحذير من الإستمرار فيه، وأن العالم الخارجى غير مهتم باضرابكم ومنشغل بالسوبر ستار والألعاب الاولمبية أو بأخبار الانقسام والثورات العربية، ويبث الأخبار الكاذبة كفك القيادة إضرابها فى العزل بعد النقل، وفك الإضراب فى بعض السجون الأخرى، ومحاولة الالتفاف على قيادة الإضراب بقيادات بديلة والمحاولة لفتح الخطوط الجانبية من خلال بعض الوعودات.

([13]) كاستشهاد على الجعفرى وراسم حلاوة فى فى يوليو / تموز 1980.

([14]) مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة – جامعة القدس: المصدر السابق، ص122.

([15]) محمد صبحه، فؤاد الخفش، "إضراب الكرامة"، فلسطين، مركز أحرار لدراسات الأسرى وحقوق الإنسان، 2012، ص12.

([16]) سامي الأخرس، كامل مسعود، "رحيق الوطن"، غزة، فلسطين، مكتبة الأندلس، 2015 ، ص70.

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق

المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد