آخر الأخبار

دراسة / عوامل ابداع الأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية – للباحث د. رأفت حمدونة

صادرة عن : مركز الأسرى للدراسات

سعت دولة الاحتلال الإسرائيلى منذ بداية الاعتقال إلى تفريغ الأسرى الفلسطينيين من محتواهم النضالى وتقويض مجتمعهم الاعتقالى المنظم ، من خلال كسر إرادتهم الوطنية ، وتحطيم روحهم المعنوية ،وجعلهم يعيدوا التفكير بما فعلوا وفيما اعتقدوا ، ونقلهم من من الموقع الوطنى النضالى الفاعل إلى موقع اليأس والضياع والخنوع ، بيد أنه اصطدم بواقع أزعجه [1]، حينما تفاجأ بأسرى يمتلكون من أدوات النضال ما لا يخطر على بشر ، ويبتدعون وسائل للدفاع عن ذواتهم وأفكارهم وطموحهم بما لا يدع مجال للشك عن عملية إبداعية حقيقية جديرة بالاهتمام والتوثيق والفخر .

       ومن خلال انتقال تجربة الاعتقال من محطة إلى أخرى ، ومن مرحلة لها ظروفها ومتغيراتها إلى مرحلة تليها ، اتضح أن هنالك الكثير من العوامل الذاتية والموضوعية ، الفردية والجماعية ، التى استخدمت فى إدارة الصراع فى السجون ، ما بين أسرى استطاعت إدارة السجون حبس أجسادهم ولكنها عجزت أن تحبس أنفاس طموحهم وأفكارهم وحريتهم وإرادتهم التى بقيت حرة طليقة محلقة ، وما بين سجان عاكس حركة التاريخ ، وقبض على أعناق حرية الآخرين عنوة بقوة لا بوجه حق ، سجان ظن أنه قادر على وقف ساعة الزمن ، فالتطم بفدائيين استطاعوا تحويل محنتهم إلى منحة ، وجعل زنازين الموت كمقابر للأحياء إلى أماكن لصناعة الرجال والمزيد من الجهد والتحدى والإبداع .

       تجربة قال فيها الدكتور نبيل العربى أمين عام جامعة الدول العربية " إن الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين والعرب فى معتقلات الاحتلال الإسرائيلى ضربوا مثلا رائعاً فى إصرار الإنسان فى الدفاع عن عدالة حقوقه والحفاظ على كرامته الإنسانية فى وجه الاحتلال الإسرائيلى وتعصبه وعنصريته دون أن تضعف أو تكسر لهم إرادة ، رغم وحشية وتنوع أساليب التعذيب التى لم ير العالم لها مثيلاً حتى فى أعتي معتقلاته العنصرية والفاشية من إذلال وقهر وتعذيب وتجويع وحرمان [2] "

فى هذه الدراسة المبسطة سنستعرض أهم العوامل التى ساهمت فى تنمية الإبداع لدى الحركة الأسيرة ، والبنى التنظيمية والمؤسسات الإعتقالية فى مواجهة إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية ، والآليات الإعتقالية لتطوير منظومة الجوانب الإبداعية لدى الأسرى الفلسطينيين ، وانعكاس المتغيرات السياسية على واقعهم وانجازاتهم . 

 

العوامل التي ساهمت في تنمية الإبداع لدى الحركة الأسيرة :

اتضح للحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة منذ نشأتها أن هنالك عملية تصفية لقدراتهم البدنية والنفسية والنضالية من قبل إدارة مصلحة السجون ، وأدركوا أن الحياة الكريمة لن تقدم لهم هدية على مائدة من ذهب ،أوبحسن نوايا من الاحتلال ، على العكس فقد أعدت الأخيرة لهم الهياكل والنظم والخبراء ومراكز الأبحاث للتفنن فى القضاء علي كل إمكانياتهم ، وكان لابد من التعبئة الفردية وتقوية الجبهة الداخلية كشرط رئيسى للحفاظ على الذات ، ومن ثم ابتداع الوسائل كأدوات مواجهة ، وبالفعل تمكنت الحركة الفلسطينية الأسيرة عبر الكثير من التضحيات من تجميع قواها والإنتصاب أمام عوامل الإحباط والتيئيس ، وواجهت بثبات وصمود مخططات التصفية الإذلالية ، وتمكنت من تحقيق الانجاز تلو الانجاز، غير عابئة بالكبوات التي مرت بها ، مراكمة من النضالات التكتيكية والإستراتيجية وتحقيق الإنجازات التى جبلت بالآلم والمعانيات ، بدءاً بوحدة الحركة الأسيرة ، مروراً بانتظام العمل الإعتقالي والمأسسة بكافة أشكالها.

إن إنجازات الحركة الوطنية الأسيرة فى أوائلها عبدت الطريق أمام مئات آلاف المناضلين الذين خاضوا تجربة الاعتقال للاستفادة منها ، وأتاحت للبقية المتبقية فى السجون من أن يراكموا المزيد عليها، ومثلت رصيداً نضالياً لا يمكن القفز عنه حتى عند قيام احتجاجات أو خطوات نضالية أخرى، وأصبح وعي الحركة الأسيرة يدرك أن المطالبة بالجديد أو بالإصلاح والتغيير، لا يعني العودة إلى البداية وإنما الاستمرار من النقطة التي تم الوصول اليها[3].

أولاً ، بناء الجبهة الداخلية :

1 - بناء الذات الثورية :

درس الأسرى الكثير من التخصصات فى شتى المجالات " فى علم الاجتماع والعلوم الانسانية ، والعلوم الإدارية ، والسياسية ، والعسكرية ، والاقتصادية ، والدينية " ، واستغلوا ما تعلموه فى معركتهم المستمرة والشرسةليل نهار مع إدارة مصلحة السجون ، واستفادوا من علماء الاجتماع اللذين أولوا تماسك الجبهة الداخلية أهمية كبرى لنجاح أى معركة ، وبدأوا بالنواة الأولى فى المجتمع الإعتقالى المتمثل بالعنصر التنظيمى ، وبالفرد الأسير ، الذى يجب أن يدرك ظروفه ، والتحديات التى تواجهه ، والأعباء الملقاة على عاتقه ، وطبيعة العدو وقسوته وعدم إنسانيته ، والوسائل الغير انسانية التى ممكن أن يستخدمها فى معاركه .

فشحذت قيادة الحركة الأسيرة الهمم وتعزيز الصمود والارادة فى وجه السجان عبر الجلسات الثقافية ، والتعاميم الإعتقالية الموجهة للقاعدة التنظيمية ، واعتبر الأسرى فى توجيهاتهم أن إدارة مصلحة السجون تسعى لتفسيخ الوحدة الداخلية من أجل تسهيل تمرير مخططاتها التصفوية ، ونجاح أى خطوة إعتقالية مرهون بالإرادة الصلبة المعبئة بالنضال ، الذى يتطلب الوحدة والتلاحم ، وتطوير العلاقات الأخوية والفصائلية ، وتلمس الوسائل النضالية المدروسة لإفشال مخططاتها، والتأكيد على الإرادة كسلاح فتاك فى المواجهة ، وكأساس للنجاح ، وتقوية العزائم لدى الأسير [4].

ولتنظيم حياة الأسرى وضبطها أوجدوا اللوائح الداخلية التى تفصل ما هو مسموح به للفرد عن ما هو ممنوع عليه ، كما تم عقد الكثير من الجلسات التربوية التى تعزز قيم الطاعة والانضباط الحزبى ، وتعزز الضوابط التى عوملت كمقياس لأخلاقيات الفرد ، وبنى عليها الكثير من التقييمات التى تتعلق بالفرد وتطوره داخل التنظيم [5].

وكانت الوسيلة المتبعة فى السجون للإرشاد والإنضباط والتوجيه ما أطلقوا عليه " التعميم الاعتقالى " الذى يخدم عدة أهداف منها " التعميم السياسى ،وهو التعميم الإخبارى الذى يتضمن الأحداث التى تحدث فى المعتقل ، والتعميم الذى يعالج المشاكل المسلكية ويسعى إلى تحقيق أهداف تربوية من خلال تعميم المشاكل التى تحصل بين الأفراد وكيفية حلها والعقوبات المفروضة على أطرافها لكى تخدم أهداف التربية المسلكية ، وهناك تعاميم كانت تسعى إلى محاربة الظواهر السلبية والتأكيد وتعزيز المسلكية الايجابية فى مجتمع المعتقل [6] "

ودعت الحركة الأسيرة المجتمع الاعتقالى عبر برامجها الإرشادية إلى تقوية الجبهة الداخلية والالتزام بكل القوانين والقرارات التنظيمية ، وتنفيذ المهام التي تلقى على عاتقه، والمساهمة في النضال ضد إدارة السجن ، والعمل على توفير المناخ الملائم لحياة إجتماعية خالية من المشاكل والتعقيدات عمادها المحبة [7]، وتغليب المصلحة العامة على الشخصية ، والحرص على الوحدة الوطنية والعمل ضمن نظرية المواجهة.

 نظرية المواجهة والاحتراف :

المواجهة والاحتراف ، وأدب المواجهة ، نظريتان مهمتان تناولهما الأسير المحرر سلمان جاد الله فى كتابين باسمهما ، تناول فى الأولى الانصهار المطلق للأسير فى قضيته الوطنية والوصول للجاهزية الدائمة لإفناء ذاته فى سبيل الأهداف التى يؤمن بها أمام الخطر الداهم عليه وعلى الحركة الأسيرة برمتها والقائمة على ثلاث محاور هى :" التأقلم مع الخطر ، وتراكم الوعى ، وإعادة الصياغة التربوية الأخلاقية [8]"

والثانية : تقوم على أربعة فروض ، الأولى : المواجهة الواعية تتناسب طردياً مع سلامة الانضباط التنظيمى ، والعكس صحيح ، والثانية : تحت ظروف معيشية مشتركة يؤدى الالتزام بالانضباط التنظيمى دوراً هاماً فى تسريع عملية إصلاح وتركيم الوعى ، والثالثة : الظروف المعيشية المشتركة فى حقل معادٍ تسوده عوامل ضغط ومواجهة يلعب التوجيه الأيدلوجى الثورى عاملاً مؤثراً لإعادة صياغة سيكلوجيا أكثر ثورية للوسط الإجتماعى ، والرابعة ، فى ظل الاستنفار وإمكانية الانفجار هنالك ضرورة لضبط وتوجيه التوازن الإنفعالى تبعاً لمتغيرات اللحظة المحتملة [9].

2- بناء المؤسسة التنظيمية :

لقد تحمل الأسرى الكثير من العذابات فى السجون الإسرائيلية ، وسقط منهم عشرات الشهداء من أجل بلورة أشكال وهياكل تنظيمية ، وسعوا للحفاظ على الذات التنظيمية وتطويرها،وكانوا على يقين أن تماسكهم وتنظيمهم يمنحهم قوة فى مواجهة إدارة السجون [10] .

وبالرغم من الاضطهاد والمضايقات التي تعرضوا لها ، استطاعوا أن يشكلوا هياكل وأطر تنظيمية ، ومن صياغة لوائح تنظم حركة وحياة المعتقلين وعلاقاتهم الداخلية والخارجية ، والفصائلية ، وعلاقاتهم مع إدارة المعتقلات، ونجحت الفصائل في تقديم نموذج في تنظيم شؤونها بأكثر دقة وتنظيماً من بعض تجارب حركات المقاومة خارج السجون[11].

استطاع الأسرى بناء جبهة داخلية بطريقة فريدة ورائعة ، شهد لها العدو قبل الصديق ، وأفرزوا قيادات منتخبة خاصة بكل فصيل من الفصائل ، وتعاونت هذه القيادات مع نظرائها فى نفس السجن ومع باقى القيادات فى السجون الأخرى ، وأداروا شؤونهم الثقافية والنضالية والمالية والأمنية والرياضية بكل كفاءة [12].

3- تقوية العلاقات الفصائلية :

لم يهتم الأسرى الفلسطينيون في بداية الحياة الإعتقالية بالانتماء الفصائلي ، لأنهم لم يكونوا على معرفة وافية بالتنظيمات من حيث بنائها الإداري وهيكلها التنظيمي، وكذلك كانوا يعتبرون أنفسهم أبناء حركة وطنية فلسطينية واحدة ومتميزين عن السجناء الجنائيين[13].

فى المقابل لم تكن إدارة السجون تفرق بين انتماءاتهم السياسية، لذلك لم يكن أمام المعتقلين الفلسطينيين إلا أن يشكلوا جبهة واحدة في مواجهة إدارة السجون التي كانت تعاملهم بقسوة وعنف وتنكيل، حيث  أنهم أدركوا وحدة المصير بين جدران السجون، وكان لابد من العمل لإيجاد الأطر التنظيمية القادرة على تنظيم حياتهم بعيداً عن الفوضى والعشوائية، ومع مرور الأيام وازدياد عدد المعتقلين اكتسبواالخبرة والوعىبالممارسة ، ووضعوا التفاهمات والأسس لإرساء دعائم الوضع التنظيمى فى السجون ، ومن ثم الارتقاء بالهياكل الإدارية التي ظهرت بشكل بدائي ، ثم تطورت حتى وصلت إلى شكل راق ومستقر [14]يشهد فى تنظيمه وترتيبه وقوته وتفاهمه القاصى والدانى.

4- تشكيل المؤسسات الاعتقالية:

لقد تمكنت الحركة الإعتقالية خلال تجربتها الطويلة من تشكيل مؤسساتها وهيئاتها الاعتقالية الوطنية ، والتى اعتبرت الإطار القيادى للمعتقلات ، وبدأ الإعداد للميثاق أو الدستور الاعتقالى الذى ينظم الحياة الإعتقالية فى العام 1976 ، ووجدت التفاهمات النظرية والمراسلات المكتوبة والشفوية لتنسيق المواقف وتنظيم العلاقة بين الأطر ، وتشكيل الهياكل والمؤسسات والمسميات والضوابط للأفراد والتنظيمات فى السجون ، وأشكال اتخاذ القرارات ومرجعياتها، وكانت على رأس تلك المؤسسات " اللجنة الوطنية أو النضالية العامة " التى تشرف على اللجان العامة فى السجون " كاللجنة الثقافية ، والأمنية ، والرياضية ، والصندوق المالى الإعتقالى العام .

5- تعزيز مفهوم النقد الذاتى :

أكدت الحركة الأسيرة فى السجون على مبدأ النقد للسلوك والظواهر الخاطئة لتقويمها ، وعلى الخطوات النضالية التى تتبعها اللجنة الوطنية العامة وتقييمها ، لتراكم النجاحات والانجازات ، واستثمار نقاط القوة وتجاوز مواطن الضعف وأسباب التراجع ، وعززت القوى والفصائل تلك العملية فى أدبياتها التى اعتبرت أن أى نجاح لأى عمل تنظيمى يكمن فى كيفية ممارسة مفهوم النقد ، ومعرفة أهمية هذه الممارسة فى بناء وتصليب الذات والإطار التنظيمى القائم على مرتكزات مبدأية سليمة .

واعتبرت الحركة الأسيرة عبر تثقيفها للأسرى أن النقد البناء ومراجعة الذات هما مسألتان مهمتان وضروريتان فى سبيل تخطى الأخطاء ، وكذلك الاستفادة من عملية النقد الموجهة فى سبيل بناء الذات وتقويم المسلكية والرقى إلى واقع أفضل [15].

ثانياً ، الجهود الذاتية للأسرى :

فى أعقاب بناء الجبهة الداخلية للأسرى الفلسطينيين والتى أخذت طابعاً جماعياً لحماية الأسرى من الداخل ، بدأ الأسرى جماعات وفرادى ببناء الذات الثورية ، وتعزيز مكانتها الكفاحية ، عبر مجموعة من الحوافز والمنطلقات النظرية والأنشطة والجهود العملية على كل الصعد مثل :

1-  استغلال الوقت :

الإبداع فى هذا الجانب هو محاولة نقل الوقت من نطاق سيطرة السجان إلى نطاق سيطرة الأسير [16]، فلقد كان أخطر ما واجه الأسير الفلسطينى مشكلة ملء الفراغ الناجم عن واقع الأسر، هذا الفراغ الذى بلغ علماء الهندسة البشرية الصهاينة منذ بداية الاحتلال كل ما فى وسعهم لتحويله بالكامل لصالحهم ، ولملئه بالثقافة كونهما مرتبطان[17] ، فعنصر الوقت يعطى فرصة فى ديناميكية العملية الثقافية[18] ، ولإشباعه بمفاهيم ورؤى تخدم واقع الاحتلال وأهدافه فى إفراغ الإنسان الفلسطينى من محتواه الوطنى ، وقتل روح التمرد والتحدى فيه ، ولقد استدراك مبدعوا الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة أبعاد هذا الأمر وعملوا على تفويت الفرصة على دوائر القمع الصهيونية ، وكان هذا الوعى بداية للمبدعين الأسرى للبدء فى حملة ثورية للاستفادة من الفراغ الطويل وتحويله من عامل سلبى يولد الملل ويضاعف التوتر ويخلق الأزمات ، إلى عامل إيجابى يوفر الإمكانيات لبناء الذات ، وإعادة إصلاح وصياغة الوعى وبناء منطلقات ثقافية وتربوية تنبثق عنها إعادة الصياغة الفكرية والنفسية الاجتماعية على أسس ثورية [19]

وبهذا فقد تحول الفراغ الذى تمنت اسرائيل أن يقتل الأسير الفلسطينى ويدمره من عامل سلبى يولد الملل والرتابة ، ويخلق التوتر والإرهاق ، إلى عامل إيجابى يولد الإبداع و يعمل على بناء الذات ، وتركيم الوعى الوطنى الذى يعتمد على قوة الحق ، مقابل غطرسة القوة لدى العدو الظالم [20].

2-  الانضباط والرقابة :

حاربت إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية منذ بداية الاعتقال قضية الانضباط والتنظيم ، بل على العكس هى غذت " الانفلاش " الذى عرفه الأسرى بتنصل الأسير من التزاماته اتجاه المجموع ، وتحلله من أصول الحياة الجماعية ، وعدم التقيد بالأنظمة التى وضعوها ، وعدم حضور اجتماعاتهم ، وعدم تنفيذ القرارات الناجمة عنها [21].

ومن ظواهر الإبداع فى السجون التعبئة والإقناع للأسرى للالتزام بالحياة الجماعية المنظمة ، والرقابة على سلوكياتهم ، ولفظ لمجرد التفكير أى حالة اختارت الحياة المزاجية الغير تنظيمية ، وألزمت كل المعتقلين باختيار فصيل للعيش فى اطاره وضمن قوانينه ، وأوجدت الحركة الأسيرة الضوابط التى تحكم الأسير باطاره التنظيمى وبتحديد حقوقه وواجباته ، والتى تحكم الأسير بالكل الاعتقالى ، والتى حددت شكل العلاقات ، والتعريف بما هو مسموح وما هو ممنوع منها .

وأوجدت الحركة الأسيرة اللوائح والمواثيق التى تحكم عمل المؤسسات الاعتقالية ، وجرمت الأعمال الفردية الغير منظمة والغير مغطاة ولو ضمنياً من الأطر التنظيمية والمؤسسات الإعتقالية ، وأكدت على الالتزام بالقرارات التى تصدرها القيادة لكل فصيل ، والالتزام بالقرارات الصادرة عن المؤسسات الإعتقالية فى كل معتقل ، والالتزام بالنظم والقرارات الإدارية والثقافية والأمنية والمالية ، وتحمل المسؤولية الكاملة عن كل ممارسة ، وأوجدت نظام المكافئة للمتميزين ، والعقوبات للمتسيبين والخارجين عن القانون الاعتقالى ، وتشكيل اللجان لدراسة المخالفات وإقرار العقوبة التى تتراوح ما بين التأنيب والمراجعة اللفظية إلى أن تصل للإعدام فى حال الخيانة الوطنية ، مروراً بعقوبات أخرى كالحرمان من التدخين ، أو الجلد ، أو غسل أوانى الطعام لأيام أو وجبات ، وعقوبات أخرى .

3-  تعزيز الانتماء وروح التحدى:

من ابداعات الأسرى التى صلبت مواقفهم ، ورسخت إراداتهم ، وقوت عزائمهم أمام سياسات إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية وطواقمها الحاقدة ، ايمانهم العميق بعدالة قضيتهم والعمل على حريتهم التى كفلتها كل الشرائع السماوية والاتفاقيات والمواثيق الدولية ، فحملوا تلك القناعة ، وضحوا بالغالى والنفيس لتحقيق أهدافهم الوطنية والقومية ، وواجباتهم الدينية .

هذه الروح النضالية تجذرت بعد تراكم الوعى والقناعة والتجربة النضالية وخاصة بعد الممارسات الغير انسانية التى مروا بها فى أقبية التحقيق ووسائل التعذيب التى زادتهم ايماناً بقضيتهم ، وتحدياً لجلادهم .

لم يقتصر الموضوع عند هذا الحد بل عملت التنظيمات فى السجون على مضاعفة الانتماء وروح التحدى عند الأسرى بالبرامج التوعوية ، والجلسات الثقافية ، وبممارسة الخطوات النضالية ، ورفعت المستوى السياسى والأمنى والثقافى للمعتقلين ، وعملت على تجذير انتمائهم لثورتهم وأهدافهم التى حملوها ، فتأسست فى السجون المدارس الثورية ، لتخريج الكوادر السياسية والوطنية ، وحولت المعتقلات إلى قلاع صامدة ونابضة بالحيوية والنشاط والفعل الثورى والوطنى [22] ، ورفعت جاهزيتهم النضالية ومعنوياتهم ونفوسهم وهممهم استعداداً لأى مواجهة تفرض عليهم بتحدى وعناد ، فواجه الأسير سجانه بعقيدة ، وصبر وصمود ، جميعها كانت ركائز المعركة مع السجون والانتصار عليه ، فالعناد على الحق هنا هو الإرادة القوية التى تلد النصر ، والنصر حليف الإرادة المجبولة بالإيمان والقوة على الاحتمال ، والاحتمال ميزة يتصف بها المؤمنون بقضاياهم [23].

ويلاحظ أن الوضع داخل السجون لم يستقر يوماً ، فهو فى حالة مواجهة دائمة ومتواصلة ، ولذلك فالحركة الأسيرة لم تلق سلاح المواجهة والتعبئة والاستنفار النفسى فى أى لحظة لأن أمامها عدواَ لا يريد لها سوى أن تدفن فى الظلمة ، والانصياع لقوانينه العسكرية الظالمة [24].  

 

4-  الثقافة والتعليم والمنافسة فيهما :

منذ بدء الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة فرضت إدارة مصلحة السجون الإسرائيلية على الأسرى حصاراً ثقافياً محكماً ، ولكن الأسرى أدركوا خطورة هذا الظرف وكانوا على استعداد للتضحية من أجل كسره ،الأمر الذى تجسد فى اضراب عسقلان 5/7/ 1970 .

استغل المعتقلون هذا الانجاز خير استغلال فتعددت الجلسات الثقافية داخل الغرفة الواحدة ، وتبادلت الغرف المعلومات فيما بينها ، وتوسع الحوار السياسى بين السجناء ، وازداد نطاق تبادل المعلومات بين الغرف بسبب تخفيف القيود المفروضة على حركة الأسرى ، فأصبح هناك مجال لإعداد مجلات تنظيمية شهرية ، وهكذا تحولت غرف السجون إلى صفوف دراسية وثقافية ، فاهتم الأسرى بتحصيلهم الدراسى ، وإغناء ثقافتهم عبر النشرات والبيانات التى كانت تقرأ عليهم ، وشيئاً فشيئاً تحولت هذه الجلسات اليومية الى تقليد ما زا ل متبعاً حتى يومنا هذا [25].

أما عن الجانب التعليمى فقد انتزعت الحركة الأسيرة حق التعليم " تقديم الثانوية العامة " ، والانتساب للجامعة المفتوحة فى اسرائيل بعد اضراب 27/9/1992 التى أبت فيه إدارة السجون الانتساب للجامعات العربية والفلسطينية والدولية ، وفى أعقاب منعها فى العام 2012 تطبيقاً لسياسة التضييق ، استطاع الأسرى الانتساب للجامعات خفية ، فى عملية معقدة ولكنها مبدعة ، مليئة بحالة المنافسة ، وتوسع الأسرى فى الثقافة العامة ، والتخصص فى المجالات المختلفة ، وفى تعلم اللغات ، وحفظ القرآن الكريم ، والتفسير ، والكتابة والإنتاج الأدبى فى كافة المجالات الثقافية والتعليمية على حد سواء .

5-  الاستفادة من خبرة الكادر القادر:

الحياة داخل المعتقلات تقوم على التنظيم والتكاملية ، التنظيم فى كل شؤون الحياة الاعتقالية للأسير والفصائل ومع إدارة السجون ، وتقوم على التكاملية والتعاون فى العلم والتعلم " الثقافى والتعليمى والتنظيمى " على حد سواء ، وتنتقل التجارب والثقافات والعلوم المختلفة بين الأسرى باللقاءات والجلسات الجماعية الفردية والتنظيمية ، وللأسرى القدامى الكثير من التأثير على الأسرى الجدد بما اكتسبوه من علوم ولغات وتجارب نضالية وإعتقالية ، لذا يقوم الكثير من الأسرى القدامى من ذوى الخبرات وحملة الشهادات وما امتلكوه من ثقافات عبر مطالعة عشرات بل مئات الكتب على مدار فترة سجنهم الطويلة التى تتراواح ما بين 10 سنوات إلى ما يزيد عن 25 عام وبعضهم وصل إلى أكثر من ثلاثين عاماً متواصلة .

ويسوق الباحث تجربة شخصية فى فضل توجيه القدامى على الجدد من الأسرى بالقول " اختارنى الموجه الثقافى فى بداية اعتقالى لإلقاء درس للأسرى داخل الغرفة ، وخلاله نقلت ما قرأت من معلومات من إحدى الكتب القديمة التى طالعتها للإعداد لهذه الجلسة ، وبعدها جلس معى أحد الأسرى القدامى من ذوى التجربة العميقة والثقافة العالية بكل منطق وإقناع ومناقشة عقلية ، وأوصلنى إلى فكرة مفادها " ليس كل ما يكتب صحيح ، وإنما هو اجتهاد صاحبه ، وعليك أن تعمل عقلك وتفكر بكل ما تقرأ ، فتأخذ بما تقتنع من الصواب والمنطق ، وتنقد ولا تنقل ما تعتقد بطلانه فى كل العلوم باستثناء القرآن الكريم وما صح من أحاديث نبوية وقوانين علمية ، " كلمات كان لصاحبها الفضل العميق فى حياتى ، وتوجيهات نقلتنى وغيرى من الأسرى لمفهوم العقل والنقد والتفكير والمنطق والعلم .

كما أن تلك  الشخصيات القيادية عملت فى السجون على بث الروح الجماعية بين المعتقلين والعمل على تحجيم الولاءات البلدية والشللية والشخصية وغيرها، كما عملت على ترسيخ التربية التنظيمية الهادفة إلى الالتزام والانضباط، و نشر التوعية الأمنية والعمل على إحباط ومواجهة مؤامرات العملاء، وتقوية روح الانتماء الفصائلي، ومواجهة إدارة المعتقل ، وتهيئة المعتقلين لمراحل نضالية ضد إدارة مصلحة السجون[26].

ويرى الباحث أن الأسرى القدامى بامكانياتهم الثقافية والنضالية ، وبارشاداتهم الأمنية ، وتجاربهم الاعتقالية ، وضعوا الأسرى الجدد على السكة الصحيحة للوصول إلى بر الأمان ، وحماية الذات ، ونقل الخبرات والتجارب ، لبناء كوادر واعية قادرة على نقل التجربة ، والإفادة والاستفادة منها فى آن واحد .

 

6-  التفاؤل بالحرية والعمل لما بعدها:

" السجن لا يبنى على أحد " هذه هى المقولة التى عبر بها الأسرى دوما عن تفاؤلهم بالحرية والعودة للحياة مستندين إلى تجارب زملائهم الماضية ممن حوكموا بالمؤبدات لمدى الحياة وتم الافراج عنهم فى عمليات تبادل للأسرى ، ومجاملة أخرى : " لا تفكر يا صاحبى فهذا حكم البشر " كلمات تقال فى أعقاب العودة من المحاكم الإسرائيلية الردعية بحق الأسرى والتى وصلت لستة آلاف وسبعمائة بحق أحد الأسرى ، من هذا المنطلق المحب للحياة والمتطلع للأمل ، استعد الأسرى لما بعد الحرية ، حتى أن عشرات منهم من بنوا بيوتاً ، وتقدموا بالخطبة واقترنوا بعرائس أثناء الاعتقال رغم أنهم محكومين لمدى الحياة ، وخرجوا من السجون وتزوجوا من اختاروا بعد سنوات ، هذه الروح المؤمنة بقضاء الله وقدره ، وبالعقيدة الثورية والنضالية ، والمؤمنة بأهدافها وعدالة قضيتها ، والمتسلحة بالإرادة والقوة والثبات ، والتفاؤل جعلت الأسرى يستثمروا أوقاتهم ، ويناضلوا لانتزاع الموافقة من السجان على تعليمهم الأكاديمى ، ويبحروا فى ثقافتهم ، وإنتاجهم الأدبى ، وأبدعوا على كل الصعد ، وجهزوا أنفسهم لما بعد التحرر .

.............

ملاحظة / يحتفظ الباحث بمصادر الدراسة لحفظ حقوق الملكية / ولكونها أحد مباحث رسالة الدكتوراة

يمنع الاقتباس دون ذكر المرجع بالمعلومات التالية :

-       د.رأفت خليل حمدونة : الجوانب الإبداعية في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة

في الفترة ما بين 1985 إلى2015 ، القاهرة ، رسالة مقدمة للحصول على درجة الدكتوراة في قسم العلوم السياسية ، معهد البحوث والدراسات العربية ، 2015 ، ص 78– 88 .

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق

المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد