آخر الأخبار

جدلية الزيف التاريخي وتعاكسيه الاستخلاصات والنتائج

جدلية الزيف التاريخي  وتعاكسيه الاستخلاصات والنتائج

جدلية الزيف التاريخي وتعاكسيه الاستخلاصات والنتائج

    بقلم محمد صلاح العطار المحتويـــات منطلقات نظرية: التناظر التاريخي والسلام الديمقراطي نظرية اللعبة     الموقف من عملية السلام والتسوية التاريخية: الاحتلال والحدود الدفاعية لاسرائيل المرحلية والاستراتيجية والدولة ثنائية القومية الاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية وحق العودة     اشتراطات السلام المستحيل: خارطة الطريق وثيقة اتفاق جنيف الانفصال احادي الجانب     المقدمــة         لا شك ان اطلاق الاحكام ذات الطبيعة السياسية، ضمن التصنيفات المعهودة من قبيل يمين ويسار، رغم مصداقيتها في وصف المواقف ومن ضمنها مواقف الاكاديمية الصهيونية، قد لا تفي بالغرض المطلوب والمرغوب في آن معاً، في التطرق لنتاجات الفكر المتبلور بمنطلقاته النظرية وفرضياته وميادين تطبيقاته المختلفة، ضمن تداخلاته في المجالات العديدة، وايضاً من خلال الرؤية التي يبشر بها ويروج لها، ومع ذلك فان الاكاديمية الصهيونية بنزعتها الاقصائية التي تصر على افراغ المنتج الفكري من أي محتوى قيمي وتسعى جاهدة للابتعاد به عن جدلية ارتباط الفكر بالموقف، فهذه النزعة ورغم ما تدعيه من الموضوعية الاكاديمية، وكما هو الحال مع مركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، وقعت أسيرة للانغلاق المحكم والتعصب الشوفيني الأعمى ووضعت نفسها في موقع العداء السافر للشعب الفلسطيني وتطلعاته وامانيه الوطنية وحقوقه المشروعة، وفي ذات الوقت تدفعها انغلاقيتها الى ممارسة التغييب الاقصائي للمثقفين اليهود في داخل اسرائيل وفي العالم عبر الصاقها الاتهام بالعداء للصهيونية بالمثقفين الاوروبيين واصوات معينة بالتحديد من اليسار الامريكي، في محاولة واضحة لتصدير الازمة، التي تعصف بالبنية الفكرية اليهودية وبما تحمله من تجليات وتداعيات على مجمل الحياة الثقافية في اسرائيل .         في مجمل القضايا التي تثيرها الاكاديمية الصهيونية، وبغض النظر عن أي موضوع تطرقه بالمتضمن الذي تحتويه في سيرورتها من الافتراض مروراً بالمنطلق، تتمترس خلف الرؤية الأحادية المجزوءة محكومة بالانغلاقية الشديدة للخصوصية المدعاة، والتي بدورها انتجت جدلية الزيف التاريخي بكل ما تحويه من تعاكسية الاستخلاصات والنتائج . وعلى ذلك فان التقنيات المستخدمة في الاطروحات على اختلافها وبآلياتها المتنوعة سخرت ووظفت لقلب الحقائق رأساً على عقب، فالسرد التاريخي الاجتراري بالتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين ضمن افتراضات رواية الحدث وتسخير المنطلقات وانتزاع الاقتباسات من خارج السياق، حتماً يقود الى الرفض وعدم الاقرار بقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي وبالتالي ترويج الاطروحات التي تنادي بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية والدول المضيفة وإعفاء اسرائيل من المسؤولية وما يترتب عليها من التزامات أخلاقية وعملية .         ان المعضلة الاساس للسلام المنشود في الشرق الاوسط، تكمن في طبيعة وجوهر الصراع العربي – الاسرائيلي والذي وان كان على تشابه مع النزاعات الاقليمية الاخرى في أرجاء عديدة من العالم، الاّ انه ينفرد ويمتاز عنها بكونه مختلفاً وليس على ذات النمط، وعلى العكس تماماً من المقاربة التي تطرحها الاكاديمية الصهيونية بالزج القسري للمثال القبرصي بالاشارة الى عناصر مشتركة تتضمن الزعم باحتواء البيئة القبرصية ايضاً للاحقاد القديمة والتحريض الديني والحروب والارهاب احتلال اراض ومطالب لاجئين وايضاً المستوطنات والمستوطنين، هذه المقاربة التي وظفت في الترويج للانفصال الاسرائيلي احادي الجانب المرتكز على جدار الفصل العنصري، لا ترتكز على أي منطق فالمشكلة القبرصية بتعقيداتها وبالتطورات التي آلت اليها، لا تحمل أي تشابه مع القضية الفلسطينية بأي وجه من الوجوه ولا حتى في السياق التاريخي العام، وحتى في الحالة الاقرب، الجنوب افريقية، فان اسرائيل بارتكازها على ايدلوجيا الحلم الصهيوني وأرض اسرائيل الكاملة، اكثر عدائية وبطشاً من جنوب افريقيا العنصرية (الابرتهايد)، فهي زيادة على العدوانية والغطرسة والصلف، قامت في مرحلتها الاولى باقتلاع الشعب الفلسطيني من ارضه وتهجير وتشريد غالبيته العظمى الى بلدان اللجوء والشتات، وفي مرحلتها الثانية بعد حرب حزيران 1967، مارست ابشع مظاهر الاستعمار الكولينيالي – الاستيطاني على الاراضي الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، وفي مرحلتها الثالثة، بعد التوقيع على اعلان المبادىء في ايلول 1993، عمدت الى اجهاض اتفاقات اوسلو عبر المماطلة والتهرب المتواصل من تنفيذ الاتفاقات المبرمة برعاية دولية وسعت لاجتثاث السلطة الوطنية الفلسطينية والضم الفعلي لمجموع الاراضي الريفية الفلسطينية خارج التجمعات السكنية، وتغذية ورعاية الاستيطان الاستعماري – الكولينيالي في الاراضي الفلسطينية .         خلال العقد الاخير، شهدت الساحة الاسرائيلية انعطافات متلاحقة نحو اليمين وبنتيجتها تجذرت وتنامت النزعات العدوانية في المجتمع الاسرائيلي وطال التهميش المستمر قوى السلام، وهذا مرده بالاساس لتقاعس حكومة ائتلاف اليسار بزعامة اسحق رابين واعاقتها التوقيع على اتفاق الخليل والتردد في انجاز تنفيذ الاتفاقات المرحلية والتهيئة لمفاوضات الحل النهائي . حيث آثرت حكومة يسار الوسط مردودات الاجماع الوطني تماشياً مع مقولة، ان الحسم في القضايا المصيرية يحتاج لتأييد وتعاضد ومساندة قوى اليمين الاسرائيلي، ولم تكن حكومة ايهود باراك العمالية بأفضل حال من حكومة اسحق رابين "اليسارية"، بل انها ونتيجة للنهج الذي اتبعته قادت المجتمع الاسرائيلي نحو انعطافته الكبرى باتجاه اليمين وجسدت التحاق حزب العمل بمواقع اليمين عبر المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية برئاسة اريئيل شارون .         ليس من قبيل المبالغة القول بان السلام المنشود في الشرق الاوسط بات مستحيلاً ومتعذراً وغير قابل للتحقيق، ذلك لان اطروحة اريئيل شارون في مؤتمر هرتسيليا الاقتصادي بفك الارتباط والانفصال احادي الجانب، جسدت الترجمة الفعلية للمفهوم الاريكشاروني للتسوية الذي يرتكز على السيطرة الاسرائيلية على السفوح الغربية لسلسلة الجبال باتجاه خط الرابع من حزيران 1967، وكذلك السيطرة على السفوح الشرقية المطلة على الاغوار وعلى طول الشريط المحاذي لنهر الاردن .         1- منطلقات نظرية           فيما يحلو لمركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، ومن باب التعريف بنفسه بلغة احصائية، التنوية بمشاركة 300 باحث في برامج الدراسات البحثية التحليلية ومن ضمنهم 80 من طاقمه البحثي وبنتاج يتجاوز 700 من الاعمال، فان المركز الذي اسسه الدكتور دانيال اليعازار ويترأسه الدكتور دوري جولد، سفير اسرائيل السابق لدى الامم المتحدة وعبر الاطروحات العديدة الصادرة عنه، بتناولها للقضية الفلسطينية سواء بربطها بقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي او بجدلية التأثير الترابطي ما بين الاجندة الداخلية الاسرائيلية والاوضاع في الاراضي الفلسطينية، يتمترس خلف ذات المنطلقات ويسوق ذات المسوغات ويصل لذات الاستخلاصات والنتائج التي تنبري الاكاديمية الصهيونية في الترويج لها .   * التناظر التاريخي والسلام الديمقراطي           في اطروحته المعنونة "اخفاق الادراك والخداع الذاتي": المسعى الاسرائيلي للسلام في سياق الارتباط بالحالات التاريخية" . وكما في عمله البحثي المعنون "العهد المنقوض للسلام الديمقراطي: اسرائيل والسلطة الفلسطينية . يلجأ الكاتب الاسرائيلي جوئيل فيشمان الى استخدام آلية التعزيز الالحاحي الممنهج في بلورة منطلقاته الفكرية وصياغة المفاهيم النظرية، ومن ثم تسخيرها في اظهار الفكرة المنتجة بكل تجلياتها واسقاطاتها القسرية والجبرية وبالرؤية التي تتبناها وتروج لرسالتها المبتغاة .         ينطلق جوئيل فيشمان من نقطة البداية بتفحص السجل التاريخي الحافل بالامثلة العديدة لاخفاق الادراك والخداع الذاتي، في معرض تقييمه لتجربة القيادة الاسرائيلية في مرحلتين تاريخيتين، حرب اكتوبر 1973 والتوقيع على اعلان المبادىء واتفاقات اوسلو وحتى نهاية مرحلة رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود باراك (1)، وضمن ذات المنطلقات يرى جوئيل فيشمان بأن، رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق اسحق رابين قد  وقع اسيراً للاخفاق الادراكي والخداع الذاتي، باعتقاده ان التوقيع على اعلان المبادىء واتفاقات اوسلو ليس الاّ مجرد مخاطرة محدودة ومحسوبة من أجل السلام، وذلك ضمن الجدلية التالية:- -       التركيز المبالغ فيه حول قوة اسرائيل الاقتصادية بالمقارنة مع جيرانها، وما يتطلبه ذلك من الخوض بامكانيات الاولويات الاقتصادية على الاجندة الاسرائيلية . -       اعتبار كلاً من ايران والعراق اكبر اعداء اسرائيل واغفال الخطر الفلسطيني باعتباره خطراً تكتيكياً وان انهيار اتفاقيات اوسلو سيأتي على اسرائيل بمخاطر في الحد الأدنى. -       الاعتماد على الدعم الامريكي في التعويض عن مخاطر السلام من خلال الركون لزيادة المساعدة الامريكية .   وعند التعرض لمرحلة ايهود باراك يذهب جوئيل فيشمان الى حد القول: ان حكومة باراك دخلت في تجربة الفشل الادراكي الكبير والخداع الذاتي الذي جلب نتائج ضارة وسلبية، وجوهر هذا الفشل السياسي ترافق مع رفض الحكومة التعاطي مع العديد من التحذيرات والمؤشرات الدالة على عدم فعالية سياستها، وجوهر هذا الرفض يكمن في تخلي حكومة باراك عن ورقتها البيضاء التي وثقت الخروقات الفلسطينية (2) .     في معرض تجييره للمنطلقات والافتراضات النظرية للتناظر التاريخي يستحضر جوئيل فيشمان النموذج الالماني النازي ليناظره ويماثله ويحاكيه مع النموذج الفلسطيني ضمن اسقاط اعتباطي لا تراعي فيه النزعة الاكاديمية المدعاة أبسط بديهيات المنطق السليم وضمن مقولة طنانة بكل ما تحويه من التهويل "ان دارس تاريخ القرن العشرين سوف يجد الكتاب الذي استعارت منه السلطة الفلسطينية صفحة او اثنتين .  وكذلك "ان النموذج الالماني باستخدامه للدعاية كأداة لتعبئة المجتمع بمجموعة في التحضير للحروب، يمكن توضيحه اكثر من خلال التحريض الممنهج على كراهية اليهود واسرائيل الذي وجد تعبيره في النظام التعليمي الفلسطيني ووسائل الاعلام الفلسطينية واستخدام الاطفال الفلسطينيين في المواجهات العنيفة، هذه بمجموعها ليست احداث عشوائية بل جزءاً من البرنامج" .     في التمهيد للاستخلاص الاستنتاجي لاطروحة التناظر التاريخي يعلن جوئيل فيشمان ان الافتراضات الاساسية التي قامت عليها عملية السلام الاسرائيلية قد اثبتت عدم نجاعتها وهي:- -       ان منظمة التحرير الفلسطينية ليست عدائية ومن الممكن ان تكون شريكاً محتملاً . -       امكانية الحفاظ على الأمن بدون استخدام القوة الرادعة . -       امكانية وقف الارهاب بازالة اسبابه . -       ان النزاع بين الفلسطينيين والاسرائيليين يمكن انهائه من خلال المفاوضات .   وعلى ذلك فان الاستخلاص الاستناجي يتضمن:- -       ان صانعي السلام الاسرائيليين قد مكنوا العدو الفلسطيني من تأسيسس قاعدة قريبة من المراكز السكانية الاسرائيلية . -       يتوجب فحص الاقتراحات التي شكلت الاساس للمبادرة الدبلوماسية التي عرفت بعملية اوسلو . -       ان الاذى الكبير الذي يلحق بالأمن الاسرائيلي مرده سيرورة الاخطاء التي ابتدأت منذ التوقيع على اعلان المبادىء . -       ان اسرائيل الآن تواجه المحطة الاكثر حرجاً وصعوبة في تاريخها ويتوجب على رئيس الوزراء اريئيل شارون حماية دولة اسرائيل من الآثار التراكمية لسنوات في الدبلوماسية الخاطئة من الاساس . لا تختلف كثيراً اطروحة العهد المنقوض للسلام الديمقراطي: اسرائيل والسلطة الفلسطينية بخطوطها العامة  ومنطلقاتها الاساسية عن ما تقدم به جوئيل فيشمان بمعالجته لنظرية التناظر التاريخي، الاّ أنه انتقل من الاستنتاج بعدم جدوى عملية السلام الى تصنيف السلطة الوطنية الفلسطينية بالكيان الفاشل الذي يتوجب ولمصلحة الجميع ان لا يكون اهلاً للترشح لمرتبة دولة (3) . وبذات الصدد تتمحور اطروحة السلام الديمقراطي حول دحض مقولة الباحث الامريكي مارتين كرامر التي تضمنتها دراسته المعنونة "ابراج عاجية فوق الرمال" مشيراً الى الاستثناء الفلسطيني كنموذج سائد في الدوائر الامريكية، معتقدا بان الفلسطينيين مجتمع مدني ناشط في داخل وخارج فلسطين بمؤسسات تمثيلية واتحادات وجميعات وقيادتهم تخضع للمسائلة وتسمح لهم بادارة شؤونهم، وانهم اثبتوا بان العرب قادرون على الحفاظ على الديمقراطية (4) .         في دحض مدنية المجتمع الفلسطيني ونشاطيته وتمتعه بمؤسسات تمثيلية وخضوع قيادته للمسائلة لا يلجأ فقط جوئيل فشمان للاسطوانة المشروخة والقائلة بان السلطة الوطنية الفلسطينية قد اصبحت نظاماً تسلطياً دفع بشعبه في اتون الحرب والكوارث، بل يستنجد بالجدول الثلاثي لتقسيم الدول الذي نادى به روبرت كوبير، مستشار رئيس الوزراء البريطاني اتوني بلير لشؤون السياسة الخارجية، الذي ورد في مقالته المعنونة "الامبريالية الليبرالية الجديدة"، والذي يجدّول فيها الدول في خانات ما بعد الامبريالية والعصرية الحدثية ودول ما قبل العصرية، وطبقاً للجدول فان السلطة الفلسطينية التي تشكل خطراً على الجيران وتحكم من قبل جماعات الجريمة المنظمة وغير المنظمة تندرج في خانة الدول الفاشلة، حالها حال الصومال وافغانستان، وعلى ذلك فلمصلحة كافة المهتمين بشؤون السلطة الفلسطينية ان يدرجوها تحت أي شكل، المتلقية للمنح وربما المحمية او أي تصنيف آخر، وهي بعد ان فقدت شرعيتها فهي لن تكون اهلاً للترشح لمرتبة الدولة.         مفهوم السلام الديمقراطي المزعوم، بتنكره لقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي والاتفاقيات المبرمة برعاية دولية، يقود الى استخلاصات متناقضة ومتعاكسة، ففي الوقت الذي ينكر فيه على المجتمع الفلسطيني أهم مقوماته بكونه مجتمعاً مدنياً ناشطاً ويضع السلطة في مصاف الدول الفاشلة، يعتبر ان اسرائيل دولة ديمقراطية في حالة حرب وتعاني من عدم الاستقرار والتضخم وانخفاض الصادرات وازدياد في العجز التجاري وضياع الاستثمارات القادمة من الخارج وارتفاع البطالة وانخفاض عوائد الضرائب والدين الناتج عن التكلفة المباشرة لانهيار الأمن . ولكن ما يثير الاستهجان والرثاء ما تقدمه عصارة الاستخلاص بالقول: من خلال هذا المنظور فان قضايا مثل الكيمياء الشخصية وتقنيات التفاوض والهدنة وحتى التسوية المفروضة كلها تصبح ثانوية .   نظرية اللعبة لم يكن الدكتور ياكير بليسنير، استاذ الاقتصاد في الجامعة العبرية وعضو لجنة التوجيه لمركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، في اطروحته المعنونة "النزاع بين اسرائيل والفلسطينيين: تحليل منطقي"، أول من اخضع نظرية اللعبة، التي استخدمت لسنوات عديدة في الاقتصاد جنباً الى جنب مع نظرية التعاقد والاتفاق المسحوبة عليها ونظرية احتكار القلة، في الحكم على جدية موقف الرئيس ياسر عرفات تجاه قضايا النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي وقضايا السلام في الشرق الاوسط، فقد سبقه في هذا المضمار طاقم متخصص في جهاز الامن العام الاسرائيلي، قام ببلورة وصياغة وثيقة معنونة "ياسر عرفات: دخر ام عبء"، بناء على تكليف من رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك (5) .  ونظرية اللعبة كما هو مفترض من الوصف الذي وصفت به، تتطلب الالتزام بقواعد اللعبة ومراعاة طريقة اللعب ضمن القوانين الخاصة بها لاحراز عدد النقاط الضرورية للفوز، ذلك ان تتابعية اللعبة بذات المفاهيم ونماذج التفكير المحددة تقود عبر طريق طويلة باتجاه التحليلات الممنهجة، وبناء على ذلك فان استخدام مبادىء نظرية اللعبة على النزاع الراهن يبدأ بتحديد الخيارات المتاحة لكل طرف وما يسعى لكسبه بالارتكاز على الخيار المتاح وما يريد ان يحقق تبعاً لذلك .    في ارساء البناء الافتراضي يضع ياكير بليسنير المدماك الأول باختيار الرئيس ياسر عرفات الالتزام بعملية السلام، ويطرح التساؤل، هل اتخذ قراراً بالتوصل الى سلام مع اسرائيل؟ وينوه بان الجواب سلبي، ويشيد المدماك الثاني عبر المقولة، اذا رغب أو لم يرغب بالسلام فان الاستراتيجية الذكية المتاحة له هي الالتزام، وفي المدماك الثالث نشهد ارتقاء في المفهوم الاحادي المعبر عنه بالقول، اذا رغب في السلام فان التزامه سوف يشجع هؤلاء الاسرائيليون الراغبون في السلام بالدفع بتقديم تنازلات بعيدة المدى من اجل الوصول الى اتفاقية نهائية، ويقدم ياكير بليسنير تدعيماً لمدماكه بمادة تبريرية من خلال مقولته سوف يقومون بذلك لان التزام عرفات سوف يقنعهم بجديته، ولذلك فانه لم يعد يشكل خطراً أمنياً، وبذلك يتم التسهيل لتقديم تنازلات أخرى، على كل حال فان الأمر لا يقف عند تشييد المداميك الثلاثة بل يتخطى ذلك الى وضع السقف لهذا البناء الافتراضي من خلال الجزم، اذا لم يرغب في السلام، سيكون عاقلاً ليلتزم، وبهذه الطريقة بامكانه الحصول على اقصى ما يمكن تحصيله بدون اراقة الدماء، وايضاً يضيف الى السقف مادة تدعيمية اخرى لتبرير اقواله، والجمهور الاسرائيلي سوف يفسر هذا الالتزام كمؤشر بان ياسر عرفات جدي تجاه السلام (6) .    عند التطرق للاحتمالات التي تفسر موقف الرئيس ياسر عرفات من اتفاقيات اوسلو ومجمل عملية السلام، تتجلى احادية المفاهيم التي اريد لها ان تتبلور وتصاغ على مقاس واحد وباتجاه واحد وبالضرورة لمحاسبة ياسر عرفات لوحده، وتندرج هذه الاحتمالات بالتالية:- -       ياسر عرفات ليس عقلانياً . -       حتى مع رغبة عرفات بالسلام واستعداده للالتزام فانه أسير الضغط الداخلي الفلسطيني . -       يرغب بالسلام ولكنه غير مستعد لدفع ثمن للسلام يتطلبه الالتزام . -       يريد ادامة الصراع ويعتقد بان اسرائيل ضعيفة وستنهار . ويضيف ياكير بليسنير الاحتمالية الخامسة والقائلة، بان ياسر عرفات يحاول تحصيل اتفاقية نهائية أفضل من التي يمكن تحصيلها بدون العنف، ولكن سرعان ما يقوم بدحض هذه الاحتمالية من خلال القول، بالرجوع الى مجريات كامب ديفيد فان هذه الامكانية ليست واردة حيث عرض على ياسر عرفات في مباحثات كامب ديفيد الحد الاقصى الذي يمكن تقديمه .  وبذات الصدد فان التبرير يتلخص في ان المطالب الفلسطينية في مباحثات كامب ديفيد تشدد على السيادة على الحرم القدسي وحق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذا سيقود الى تنازل اسرائيل عن حقها بالوجود والتعرض لخطر الانقسام المدمر في نسيجها الاجتماعي وهذا يعني انتهاء اسرائيل كدولة يهودية .         في ختام اطروحته يتسائل ياكير بليسنير، ماذا يتوجب على اسرائيل ان تفعل؟ ويستدرك، واذا كان الاحتمال الثالث هو الصحيح بان عرفات لا يرغب في دفع ثمن سياسي يتوجبه التزامه بالقسم المنوط به من الصفقة، وهنا يصل الى الاستنتاج بعينه الذي سبقه اليه الطاقم المتخصص في جهاز الأمن العام الاسرائيلي، من خلال القول، بان اسرائيل تحتاج ان تفرض على ياسر عرفات ثمناً عالياً جداً بحيث يدرك بان الثمن السياسي الداخلي اقل شأناً بالمقارنة .    2- الموقف من عملية السلام والتسوية التاريخية           تتمحور الاطروحات البحثية، المختصة بقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي، الصادرة عن مركز القدس الاسرائيلي للشؤون العامة، حول الموقف من الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية، القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، بنتيجة حرب حزيران 1967، والربط الجدلي ما بين تنفيذ وتطبيق الاتفاقيات المرحلية ومتطلبات التفاوض على قضايا الوضع النهائي على قاعدة عدم الاقرار والرفض الكامل لقرارات الشرعية الدولية باعتبارها غير ذات صلة، سواء برفض كل قرار على حدة او برفضها جميعاً من حيث كونها سلة واحدة جملة وتفصيلاً، ومن ضمنها قراري الاساس للجمعية العامة 181 لعام 1947 والقرار 194 لعام 1948، والذي بقوة الأول قامت دولة اسرائيل وبالاقرار بالثاني قبلت عضويتها بالامم المتحدة، وكذلك قراري مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973، بدعوتها للانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، وعلى ذلك فان الرفض الكلي لقرارات الشرعية الدولية وارادة المجتمع الدولي يتجلى في نفي صفة الاحتلال الاسرائيلي عن الضفة الغربية وقطاع غزة وعدم الاعتراف بخط الرابع من حزيران وتسويغ ضم القدس العربية، من خلال الاصرار على مقولة أن الاراضي الفلسطينية لم تكن تخضع لسلطة سيادية شرعية، باعتبار ان الدولة الفلسطينية لم ترى النور ولم يتم تطبيق الشق المختص بالدولة العربية في قرار الجمعية العامة 181، وان الادارتين المصرية والاردنية لم تكونا سوى قوتي احتلال لاجزاء من فلسطين الانتدابية، ومن ثم ترويج الاطروحات البحثية للحل الانتقالي طويل الأمد وعدم شرعية قيام دولة فلسطينية مستقلة والاغفال الكامل لحق العودة لتندرج جميعها تحت يافطة حق اسرائيل بالوجود والحفاظ على هويتها ونسيجها الاجتماعي.   * الاحتلال والحدود الدفاعية           في تناوله لموضوعه الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية عقب حرب حزيران 1967 باطروحته المعنونة "الحدود الدفاعية لاسرائيل"، يعمد دوري جولد، رئيس مركز القدس للشؤون العامة، السفير السابق لاسرائيل لدى الامم المتحدة، لتثبيت نقطة ارتكاز رئيسه لنفي صفة الاحتلال عن الاجتياح العسكري الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية في صبيحة الخامس من حزيران 1967، وبالمقابل التأسيس لمصطلح مناطق موضع نزاع، باستهلال تمهيدي، دخلت اسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة في حرب الايام الستة 1967، (7) لينتقل الى القول، قاوم الخبراء القانونيون الاسرائيليون الجهود الهادفة لتعريف الضفة الغربية وقطاع غزة بالمحتلتين، او كونهما تقعان تحت المعاهدات الدولية الرئيسة التي تختص بالاحتلال العسكري .  ويورد الجدلية التالية لتدعيم نفي صفة الاحتلال:- -       بحكم الامر الواقع لا تنطبق اتفاقية جنيف الرابعة بما يتعلق بالاراضي المحتلة على الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث ان الاتفاقية بنيت على افتراض وجود قوة سيادية طردت وانها كانت شرعية، قبل العام 1967 قامت الاردن باحتلال الضفة الغربية ومصر احتلت قطاع غزة، والوجود الاردني والمصري في هذه المناطق كانت نتيجة لغزوهما غير الشرعي في العام 1948، وفقط اعترفت كلاً من بريطانيا والباكستان بضم الاردن للضفة الغربية في العام 1950 . بعد أن فرغ الدكتور دوري جولد من تثبيت نقطة الارتكاز لنفي صفة الاحتلال من خلال تدعيمها بجدلية أغفلت بجزئيتها المطروحة بالتركيز على وضعية الادارتين الاردنية والمصرية في الاراضي الفلسطينية، حقيقة ان قوة القرار 181 ليست مقصورة على اسرائيل وانها ايضاً منوطة بحكومة عموم فلسطين ومن ثم انتقلت لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي هي بصفتها الاعتبارية والتمثيلية مؤهلة لتجسيد حق تأسيس الدولة الفلسطينية استناداً الى قوة القرار 181 ومؤهلة للعضوية الكاملة في هيئة الامم المتحدة، انتقل الى تطوير مفهوم نفي صفة الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية بالانتقال به من الرفض المطلق للتعامل مع احكام القانون الدولي والمعاهدات والاتفاقيات المبرمة الى القبول لاجزاء محددة تخدم النقلة الجديدة المتمثلة بالتفريق الواضح ما بين تسليم الصلاحيات المدنية للسلطة الوطنية الفلسطينية والسيطرة الاسرائيلية على الاراضي الريفية خارج المناطق السكانية الفلسطينية وعلى ذلك يورد النقاط التالية:- -       منذ العام 1994 أصبح 98% من السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة تحت الولاية القانونية الفلسطينية .  وقامت اسرائيل بنقل السلطات في 240 من الميادين المختلفة وكذلك مسؤولية الأمن والنظام العام، بينما السلطات الباقية تتعلق بالامن الخارجي الاسرائيلي وأمن المواطنين الإسرائيليين . -       ان هذه السلطات المتبقية قد استخدمت بكثرة في الاشهر الماضية كرد على تصعيد العنف والهجمات المسلحة التي فرضت على اسرائيل . -       ان المادة السادسة من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على أن القوة المحتلة تلتزم فقط بحدودها الى المدى الذي تمارس فيه وظائف الحكومة في مثل هكذا مناطق . -       بالاعتماد على احكام اتفاقية هيغ (لاهاي) 1907 فان المنطقة تعتبر محتلة عندما تقع تحت السيطرة الفعلية للمحتل . -       وبالاعتماد على المعاهدات الدولية الرئيسة التي تتعامل مع موضوعة الاحتلال العسكري فان نقل السلطات من قبل اسرائيل الى السلطة الفلسطينية تماشياً مع اتفاقيات اوسلو قد جعل من الصعوبة تصنيف الضفة الغربية وقطاع غزة بالمحتلتين. تبدو النبرة التقريرية تحصيل حاصل في الاطروحة المعنونة "الحدود الدفاعية لاسرائيل" للعمل البحثي" من مناطق محتلة الى مناطق موضع نزاع"، ليس فقط بالتتابع الزمني لاصدار الاطروحتين بل لما تضمنته من ارساء لقواعد الجدل الترابطي الذي شكل اسفل البناء الهرمي لاطروحة الحدود الدفاعية لاسرائيل (8) .  وبما ان الدكتور دوري جولد مولع بالاستهلالات التمهيدية، فان هذه التقنية تجد طريقها ايضاً بمقولة تغلب عليها الصبغة التقريرية التي تشوبها لمسة يقينية بتأكيدها القائل، منذ حرب الأيام السته في حزيران 1967 الى وقتنا الحاضر، فان حاجة اسرائيل لحدود دفاعية ضمن أية تسوية سلمية مستقبلية، تعتبر أحد العوامل المسلم بها في السياسة الخارجية لها .  ويرى ان قرار مجلس الأمن الدولي 242، قد هيأ المسرح لهذا المطلب بالاعتماد على الصيغة اللغوية التي تتطلب من اسرائيل بشكل محدد الانسحاب فقط "من مناطق" وليس من كافة المناطق الى حدود آمنة ومعترف بها، ويعتبر ان حق اسرائيل في حدود آمنة ومعترف بها انبثق من الظروف المحددة لحرب حزيران 1967 والتي دخلت فيها اسرائيل في حرب واضحة للدفاع عن النفس، وعلى ذلك يورد الأسباب التي جعلت من بحث اسرائيل عن حدود آمنة اكثر ملحاحيه بالتالية:- -       النصر الامريكي على العراق في العام 2003 والذي بنتيجة تحسن الوضع العسكري على الجبهة الشرقية لاسرائيل وبذلك دفع الى السطح التوقعات حول المتطلبات الاسرائيلية الاقليمية في التسوية السياسية . -       استئناف الخيار الدبلوماسي الاسرائيلي – الفلسطيني من خلال خارطة الطريق التي ترعاها اللجنة الرباعية، والذي من المتوقع ان يثير نقاشات دبلوماسية حول موقعة الدولة الفلسطينية حتى بحدودها المؤقتة . -       قيام اسرائيل ببناء سور عازل في الضفة الغربية على طول خط مختلف عن حدود 1967، الأمر الذي اثار التحفظات الامريكية على المسار والذي ارتكز على القلق أن يصبح المسار حدوداً سياسية نهائية . -       بالرغم من احباط التهديد العراقي على المديين القصير والمتوسط، فان التهديد الفلسطيني برز في السنوات الثلاث الماضية الى الحد الذي يتقدم الى السياق الرئيس لطلب اسرائيل بحدود دفاعية . -       مع اقتراب اسرائيل من تطبيق خارطة الطريق، سيكون من الضرورة الوصول الى تفاهمات اسرائيلية – امريكية جديدة حول الحدود الدفاعية . في معرض طرح استخلاصاته يتكأ الدكتور دوري جولد على مقولة شاؤول موفاز رئيس الاركان الاسرائيلي ابان المداولات التي رافقت محادثات كامب ديفد بقوله، ان مقترحات كلينتون التجسيدية بما تحويه من ترتيبات أمنية لا تتلائم مع المصالح الاسرائيلية واذا تم قبولها فانها سوف تشكل تهديداً لأمن دولة اسرائيل ليصل الى الاستنتاج بان التنازلات العميقة التي قدمتها حكومة باراك والتي احتوتها خطة كلينتون اعتبرت كارثة لاسرائيل ويطرح التصور التالي:- -       قبل ان تشرع اسرائيل في تطبيق خطة الطريق سيكون من الملائم ان تصل الى تفاهمات جديدة مع الولايات المتحدة حول الاتجاه المستقبلي لعملية السلام . -       في المدى المنظور ان بناء اسرائيل للجدار العازل يتوجب الاّ يصبح قضية اشكالية في العلاقات الامريكية الاسرائيلية . -       ان السياج عبارة عن حاجز عسكري ولاسرائيل الحق باتباع تصورها الخاص حول تأمين احتياجاتها الامنية والتي يجب ان تحترم . -       سوف تستمر اسرائيل بالاحتفاظ بالمستوطنات وتقوم باجراء العمليات العسكرية في كلا جانبي الجدار . -       ان الجدار العازل سيتحول الى حدود سياسية دائمة اذا فشل الفلسطينيون في الدخول بمفاوضات مع اسرائيل . -       ليس بالضرورة ان يصبح الجدار حدوداً نهائية اذا اتفق الفرقاء على حدود أخرى . -       تفصيلات مكونات الحدود الدفاعية يجب ان توضع من قبل الادارة الامريكية والحكومة الاسرائيلية قبل ان تبدأ المرحلة الثانية من خارطة الطريق .     * المرحلية والاستراتيجية والدولة ثنائية القومية           لا ضير في ان ينبري ثلة من الاكاديميين الاسرائيليين لتسويغ وترويج الرواية الرسمية الاسرائيلية لانهيار محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، ومن الطبيعي ان يرى اصحاب النزعة الاكاديمية المحافظة الموغلة في تعصبها وانغلاقها في الرئيس ياسر عرفات سبباً لما يدعونه من التسبب في اغلاق بوابة الأمل وضياع الفرص السانحة، ولكن من غير الطبيعي والموضوعي ولا يمت للاكاديمية بصلة، ما يقوم به اصحاب النزعة عبر اطروحاتهم بتشويه للحقائق المتعمد والاصرار على تجاهل أبسط قوانين وقواعد النهج العلمي الموضوعي والمسلمات البديهية لتطور المجتمعات وسيرورة التاريخ في حركته الدائمة الى الامام .         في التعامل مع القضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي الاسرائيلي، يلجأ أصحاب النزعة الاكاديمية الصهيونية الى تعمية وتمويه المفاهيم وتجييرها لتبرير تضاضدية وتعاكسيه الاطروحات التي تفترض القبول الفلسطيني بانهاء النزاع واسقاط المطالبات الفلسطينية بتجسيد حق العودة واسترجاع كافة الممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة في اسرائيل .         يشير الباحث جوناثان هاليفي في اطروحته المعنونة "محاولة لفهم انهيار المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية"، الى الفجوة السياسية التي لم تجسر بين السلطة الوطنية الفلسطينية واسرائيل والتي ظهرت في محادثات كامب ديفيد في تموز 2000، بانها كانت أولاً واخيراً نتيجة للتباين الواضح بين ادراك الزعامة لجوهر النزاع والهدف النهائي للمفاوضات ويستعرض جوناثان هاليفي وجهة النظر الاسرائيلية ضمن ذات التوليفة بتجاهلها للحقائق الراسخة للقضية الفلسطينية وقضايا الصراع العربي – الاسرائيلي، باعتبارها ان جوهر القضية نزاع بين كيانيين سياسيين هما الآن في طور التحضير للوصول لتسوية تاريخية والتي ستقود الى تعايش سلمي حقيقي بين دولتين مستقلتين (9).         في تحديد مفهوم التسوية التاريخية يطرح جوناثان هاليفي النقاط التالية:- -       التسوية التاريخية في الادراك الاسرائيلي تستند الى الانتهاء التبادلي لحلم ارض اسرائيل الكاملة والحلم الفلسطيني بكامل التراب الفلسطيني . -       هدف المفاوضات للحل الدائم الوصول الى صيغة تجسر الخلافات بالتساوي بين الطرفين، وكمثال اعتراف اسرائيل بالدولة الفلسطينية والتسوية، القدس في مقابل التنازل الفلسطيني في موضوع حق العودة . -       الهدف النهائي للعملية بكاملها انهاء النزاع واسقاط المطالبات الفلسطينية اللاحقة وتحديداً عودة اللاجئين الفلسطينيين لاسرائيل واسترجاع الممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة في اسرائيل . في معرض طرحه لاستخلاصاته ينوه جوناثان هاليفي الى اصرار منظمة التحرير الفلسطينية على الالتزام بموقفها المبدئي غير المساوم بخصوص النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني حتى في ذروة المفاوضات والترتيبات المرحلية، وأن السياسة الفلسطينية المتبعة ترتكز على البرنامج الوطني المرحلي الذي يوظف كرافعة للنهج التاريخي الاستراتيجي بهدف  تدمير المؤسسة الصهيونية واجهاض المشروع الصهيوني وبناء على هذا الاستخلاص يطرح الاستنتاجات التالية:_ -       ان اقامة دولة فلسطينية سوف لن يكون نهاية المطاف للطروحات الوطنية الفلسطينية ولن يجبر الفلسطينيين على اغلاق بوابات الحل التاريخي . -       ان التدفق الفلسطيني لاراضي الدولة الفلسطينية سيقود الى تمركز قوة بشرية متجددة وراديكالية . -       ان التطلعات الفلسطينية باحياء الجبهة المناهضة لاسرائيل سوف يقود الى استقدام اللاعبين الاقليميين الى اراضي الدولة الفلسطينية مثل ايران وحزب الله . لا شك ان الاصرار على الصاق الاتهام بالعداء للصهيونية بالمثقفين الاوروبيين واصوات معينة بالتحديد من اليسار الامريكي يمثل محاولة واضحة لتصدير الأزمة التي تعصف بالبنية الفكرية اليهودية وبما تحمله من تجليات وتداعيات على مجمل الحياة الثقافية في اسرائيل وعلى ذلك فان الاطروحة المشتركة للباحثين دوري جولد وجيف هيلمريخ والمعنونة "الاجابة على الاعداء الجدد للصهيونية: حقوق الشعب اليهودي في دولة ذات سيادة بوطنه التاريخي" قد اغفلت عن سابق قصد ذكر أي من رموز النزعة الاكاديمية الانسانية في اسرائيل، فيما يعرف بالمدرسة ما بعد الحداثية بحركاتها المختلفة والتي أهمها ما بعد الصهيونية، مثل توم سيجيف وبراخ كيميرلنغ (10) .         يستعرض دوري جولد وجيف هيلمريخ افكار الحركة المابعد صهيونية بالاشارة الى دعوتها الاحلالية والتي تطرح تصفية اسرائيل وغالباً ما تكون مترافقة مع قيام دولة ثنائية القومية فلسطينية – يهودية في مكانها، وينوها الى الطرح ما بعد الصهيوني والقائل بعدم وجود حقوق يهودية بالسيادة في اسرائيل وأن القومية اليهودية ليست عادلة بطبيعتها، وفي معرض انتقاد الحركة المابعد حداثية يثير النقاط التالية:- -       عدم ادراك النتائج القانونية والسياسية للتعبير القومي الاسرائيلي كدولة يهودية بما يمت بصلة لمواطنيها غير اليهود ومساواتهم بكافة مواطنيها . -       تجاهل الظروف التاريخية المحددة والمخاطر التي قادت الى ظهور الحاجة لتعريف اسرائيل باليهودية . في معرض الاجابة على ما يحلو للباحثين جولد - هيلمريخ اطلاق لقب الاعداء الجدد للصهيونية ترتكز الاطروحة على محورين (11)، في المحور الأول تسحتضر الشروط الاربعة التي حددها القانون الدولي للمجموعات السياسية للاعتراف بها كدول هي المقرونة بالشعب والارض والحكومة والقدرة على الدخول بعلاقات مع الدول الأخرى .  ولا يجد جولد - هيلمريخ بداً من الاستعانة بشهادة المندوب الامريكي في مجلس الأمن بأن اسرائيل قد أوفت بهذه الاشتراطات، للتغطية على الاستحضار المنزوع من سياقة، حيث ان المغالطة واضحة وضوح الشمس وقيام اسرائيل لم يكن بسبب الاشتراطات المذكورة بل بقوة القرار 181 وقبول عضويتها بالامم المتحدة ارتكز على الاقرار والتعهد من قبل ممثل حكومة اسرائيل امام اللجنة السياسية الخاصة بتطبيق قراري الجمعية العام 181 لعام 1947 و194 لعام 1948 (12) .         وفي المحور الثاني تسند الاجابة على ما تدعيه من فرصة سانحة ظهرت منذ العام 1517 من خلال بسط السيادة العثمانية على المشرق العربي، وتحديداً بخسارة تركيا للحرب العالمية الأولى وقيامها بالتنازل عن السيادة على المشرق العربي في اتفاقية سيفرز 1918، وحدوث الفراغ السيادي الذي قد افسح المجال للمطلب التاريخي للشعب اليهودي ولتدعيم هذا الاستناد التاريخي بالزيف الذي يحتويه فان الاطروحة تطرح المفارقة التالية:- -       توافد اللاجئين اليهود من اسبانيا عام 1492م الى الامبراطورية العثمانية ادى الى توسيع متزايد للوجود اليهودي في صفد والخليل وطبريا، حيث قام السلطان سليمان بمنح مستشاره اليهودي البرتغالي دون جوزيف ناسي اقطاعيات لاعادة توطين اليهود. -       خلال اعادة احياء الوجود اليهودي في ارض اسرائيل، كان الانطباع الغالب للرحالة الغربيين في القرن التاسع عشر بوجود القليل من السكان العرب وبالاعتماد على تحليلاتهم فان فلسطين كانت مسكونة بمجموعات سكانية مرتحله من الجزيرة العربية، والى حد ما كانت فلسطين ملاذاً مؤقتا، واضافة الى ذلك فان العثمانيين قد اسكنوا تجمعات سكانية مسلمة كحاجز ضد الهجمات البدوية، وكذلك قام الحاكم المصري ابراهيم باشا باحضار المستعمرين المصريين، ومن الجدير بالذكر بان اللقب مصري والمستعمل من قبل عشيرة في نابلس يعني مصري الأصل . ان هذه المفارقة بما تحويه من الزيف تحاول رسم صورة للاسقاط القسري والجبري وهي والحال هذه لا يمكن الاّ ان تفهم في سياق الاستخلاص الاستنتاجي لاطروحة الاجابة على الاعداء الجدد للصهيونية والذي يقول: بغض النظر عن كون الهجوم الجديد على اسرائيل نتاجاً للعلمانية الراديكالية او دوائر فكرية معينة للذين لا يمتلكون الفهم للتاريخ اليهودي، او انها منبثقة من النزعة الماكرة المعادية للسامية والتي ولدت من جديد فانها بمجملها صناعة يد الجهل التام المتوثب على خصوصية جذور اسرائيل .  وعلى ذلك يتضح بما لا يدع مجالاً للشك النوازع اللاعلمية واللامنطقية واللاموضوعية للاكاديمية الصهيونية التي ومن باب الوفاء لانغلاقها وايغالها في التعصب الشوفيني وفي سعيها المحموم لتشويه الحقائق وتجاهل قوانين تطور المجتمعات وسيرورة التاريخ لا تكتفي بمناصبة الشعب الفلسطيني العداء بل تنقل معركتها ضد القوى والتيارات السلامية في اسرائيل وفي اوساط الجاليات اليهودية في العالم .     * الاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية وحق العودة           ينطلق الباحث طال بيكير في اطروحته المعنونة "الاعتراف الدولي بالاعلان احادي الجانب للدولة الفلسطينية: المأزق القانوني والسياسي"، من مقولة ان القانون الدولي يستوجب الايفاء باربعة معايير منفصلة للاعتراف بالكيانية السياسية كدولة مستقلة ذات سيادة (13) وهي التالية:- -                  يتوجب على الكيانية ان تمارس سيطرة حكومية فعالة ومستقلة . -                  يتوجب على الكيانية امتلاك أرض محددة تمارس عليها السيطرة . -                  يتوجب على الكيانية امتلاك القدرة على التعاطي الحر بالعلاقات الخارجية  . -                  يتوجب ان يكون تحكم فعال ومستقل على المجموعة السكانية . هذا الاقتباس للمعايير المدرجة في معاهدة مونيفيديو حول حقوق وواجبات الدول توج سلسلة من الاشارات والاستشهادات والاقتباسات التي طالت هانس كيلسن، جايمس كوفورد . ولوتير باخت، ربما لتبرير الاثقال المقصود بتحميل الاطروحة اكثر مما تحتمل (14)، وفي معرض استعراضه للمعيار الأول، حول ممارسة السيطرة الفاعلة، ينوه طال بيكير الى عدم ممارسة السلطة الوطنية الفلسطينية لعملها كحكومة مستقلة بحكم طبيعتها كجسم للحكم الذاتي مؤقت ومحدود الصلاحيات وعلى ذلك يطرح الجدلية التالية:- -       ان السيطرة الحكومية الفاعلة للسلطة الوطنية الفلسطينية لا توجد حتى في المناطق السيادية الفلسطينية في ذات التصنيف (أ)، وغياب الدرجة المطلوبة للسيطرة تتجلى اكثر في المناطق الريفية ب،ج . -       ان الرموز الاولية للحكومة الفاعلة ذات السيادة، مثل الأمن الخارجي والسيطرة على المجال الجوي ومسؤولية الأمن على كافة المعابر الحدودية والمطارات لم تنقل الى الكيان الفلسطيني وبقيت تحت الولاية القانونية الكاملة لاسرائيل . -       لم يتم نقل أي نوع من الصلاحيات للسلطة الوطنية الفلسطينية في القدس خلال المرحلة الانتقالية حيث ان موضوع القدس احتفظ به لمفاوضات الوضع الدائم وفي ضوء غياب أية سلطة فلسطينية على القدس والممارسة الفعلية للسيادة الاسرائيلية والولاية القانونية على كافة اجزاء المدنية فان الاعلان الفلسطيني للدولة والذي يفهم منه الاحتواء على اجزاء من القدس ضمن اراضي الدولة الفلسطينية سيكون من الناحية القانونية بلا معنى . رغم ان الاتفاقيات المرحلية قد استنفذت صلاحيتها منذ 4 آيار 1999 وتجاوزت 13 أيلول 2000 الموعد الذي حدد لاتفاقية الوضع الدائم، الاّ ان طال بيكر يحاجج ويطرح جدلية اخرى تعاكسية ضمن التالية:- -       لا يوجد مؤشرات محددة في الاتفاقيات الموقعة بان الترتيبات المرحلية تنتهي بتاريخ محدد . -       الاتفاقات المرحلية تقدم تاريخاً لدخولها موضع التنفيذ العملي ولكنها لا تقدم تاريخاً بانتهائها . في تناوله لمعيار الملكية لارض محددة يلجأ طال بيكير الى ذات  الأسطوانة التي استخدمت على الدوام في وسائل الاعلام الاسرائيلية وخاصة اذاعة اسرائيل ليقدم لنا مادة دعاوية من قبيل ان الفلسطينيين عوّلوا كثيراً على اللاشرعية المزعومة للانتداب البريطاني لفلسطين ورفضوا قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 181 لعام 1947، وضمن هذا السياق يدرج التالية:- -       ان شرعية الانتداب والتي قادت الى تأسيس وطن قومي يهودي في فلسطين تم التأكيد عليها بتكرار من قبل الهيئات الدولية مثل مجلس عصبة الامم ومحكمة العدل الدولية واللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين والتي توصلت الى استنتاج بان الفلسطينيين لم يمتلكوا أرض فلسطين الانتدابية كأمة ذات سيادة وانه لا توجد أرضية للمسائلة بصلاحية الانتداب للسبب الذي تقدمت به الدول العربية . -       ان الاعتماد الفلسطيني على القرار 181 بذات القدر لا يملك الحجة، حيث ان الدول العربية والفلسطينيين قالوا بان هذا القرار ليس ذا صلة . -       من اجل التعامل مع الحقائق الجديدة التي نتجت عن ذلك والمساعي المتلاحقة لتدمير دولة اسرائيل، فان الامم المتحدة قد تخلت عن المقترحات التي تضمنها القرار 181 مستبدلة اياه بقراري مجلس الأمن 242 و 338 اللذان اصبحا الاساس المقبول لعملية السلام . في هذه الجدلية التي يطرحها طال بيكر تتضح المغالطات الكبيرة والتي هي نتاج للتوجه الدعاوي واستغلال لذات الاسطوانة المملة، وهذه المغالطات تندرج بالتالية:- -       ان اللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين قد رفضت كلا الحلين المتطرفين، وبأخذها لهذا الاجراء فان اللجنة على ادراك كامل بان العرب واليهود تقدموا بمطالب قصوى لحقوق ومصالح في فلسطين، العرب لكونهم ولقرون هم السكان الأصليون والمتوالدون فيها، واليهود لارتباطهم التاريخي في البلاد والوعود الدولية التي قطعت لهم لاحترام حقوقهم فيها (15) . وللحقيقة فان اللجنة الخاصة للامم المتحدة حول فلسطين كانت تفضل الحل القائم على دولة ثنائية القومية في فلسطين، ولكنها فضلت عليه التقسيم مع الاتحاد الاقتصادي وذلك للمتطلبات التي لم تكن ناضجة ومهيأة آنذاك وتحديداً التساوي في التركيبة السكانية والتي كانت بواقع 1.200.000 عربي مقابل 600.000 يهودي . -       اثبت حقائق الصراع العربي – الاسرائيلي وما آلت اليه القضية الفلسطينية وفي ظل الظروف بالغة التعقيد للنزاع الفلسطيني – الاسرائيلي ان القرار 181 ما زال يمتلك القوة الدافعة مع قرارات الشرعية الدولية سل
المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد