آخر الأخبار

من ألم الخاصرة - مفكّرة خاصّة جدّاً - الأسير المحرر : طلال حماد

من ألم الخاصرة - مفكّرة خاصّة جدّاً  - الأسير المحرر : طلال حماد

من ألم الخاصرة - مفكّرة خاصّة جدّاً - الأسير المحرر : طلال حماد

من ألم الخاصرة مفكّرة خاصّة جدّاً  I  " في الطّريق إلى الزنزانة..."            بعد 14 شباط/ فبراير/ فيفري 1974، تاريخ اعتقالي، ذات مساء من مكتبي في قسم التحرير بجريدة القدس المقدسيّة، علّمني رفاقي في المعتقل، في سجون " المسكوبيّة"، و(كفار يونا/ بيت ليد)، ( والرملة)، من بين ما علّموني، وهو كثير، أن أقرأ، وأن أكتب، وأن أحفظ أيضاً، غير ما كنت أتقنه قبل السجن، ومن ذلك أن أحفر على جدران كلّ زنزانة، أستضاف فيها، ما أنظمه، أو أحفظه، أو أنقله عن غيري من الرفاق، السجناء والطلقاء، وبالطبع، وممّا لا شكّ فيه، كان عليّ، بل كان من واجبي، أن أحفظ، وأن أردّد، وأن أنقل إلى غيري من الرفاق، السجناء، إلى أن يحدث ما يخالف ذلك، أو يجبّه، قصيدة كان الشاعر الفقيد " معين بسيسو "، قد خبّأها في صدره، وهم يقتادونه إلى السجن ( الواحات؟ أين؟ في مصر العزيزة، وهنا لا يهمّ الاسم، أو المكان، فالسجون سجون، والقهر بلا عنوان)، فلم يضع الجنود أيديهم عليها، فسلمت، ليسلّمها من بعد، إلى رفاق السجون، في كلّ مكان، لينشدوا " في الطّريق إلى الزنزانة..."، وأنشد، فانشدوا معي.. أو بعدي:                            " هُناكَ... هُناكَ... بعيداً بعيدْ سَيَحْملُني يا رفيقي الجُنودْ سَيُلْقونَ بي في الظّلام الرّهيبْ سَيُلْقونَ بي في جحيم القُيودْ                                                         لقد فتّشوا غرفتي يا أُخي                          فما وجدوا غير بعض الكُتُبْ                          وأكوام عظمٍ هُمو... أخوتي                          يئنّون ما بين أمّ... وأبْ                          لقد أيْقَظوهُمْ... بِرَكْلاتِهِمْ لَقدْ أشْعَلوا في العُيون الغَضَبْ  أنا الآنَ بيْنَ جُنود الطّغاةِ أنا الآنَ أُسْحَبُ للمُعْتَقَلْ وما زالَ وَجْهُ أبي ماثِلاً أمامي... يُسلّحُني بالأمَلْ وأمّي... وأمّي... أنينٌ طَويلْ ومنْ حَوْلِها إخْوَتي يصْرُخونْ                          ومن حولهم... بعْضُ جيراننا                          وكلّ له... وَلَدٌ في السُّجونْ!                      ولكنّني رُغْمَ بَطْش الجُنودْ                      رَفَعْتُ يَداً أثْقَلَتْها القُيودْ                      وَصحْتُ بِهِمْ: إنّني عائِدٌ                      بِجَيْش الرّفاقِ...بِجيْش الرّعودْ                      هُناكَ أرى عاملاً في الطّريقِ                      أرى قائِد الثّورًة المُنْتَصِرْ                      يُلوّح لي بيَدٍ مِنْ حَديدْ                      وأخرى تَطايَرَ منها الشّرَرْ                       أنا الآنَ بينَ مئات الرّفاقِ                      أشُدُّ لِقَبْضاتِهِمْ... قَبْضَتي                      أنا الآنَ... أشَعُرُ أنّي قويٌّ                      وَأنّي سَأهْزِمُ... زِنْزانَتي                       نَعَمْ لَنْ نَموتَ، نَعَمْ سَوْفَ نَحْيا                      وَلَوْ أكَلَ القَيْدُ منْ عَظْمِنا                      وَلَوْ مزّقَتْنا سِياطُ الطُّغاةِ                      وَلَوْ أشْعَلوا النّارَ في جسْمِنا                      نَعَمْ لَنْ نَموتَ، وَلكنّنا                      سَنَقْتَلِعُ المَوِتَ... مِنْ أرْضِنا "  ٭٭٭ II   الحاجة فولا.. صباح الخير            الحاجة فولا من؟          الحاجّة فولا فيليتسيا لانجر.          فيليتسيا لانجر من أين؟          فيليتسيا لانجر من هناك؟          لا. فيليتسيا لانجر من هنا!            للعملة أيّاً كانت وجهان، وفيليتسيا لانجر، بلا شكّ، جزء حيّ من أحد الوجهين.          كنت لا زلت يُحقّق معي، في أحد أيّام شهر آذار/ مارس 1974، بعد إحضاري من سجن كفار يونا، إلى سجن المسكوبيّة، في القدس، لإعادة التحقيق معي، في بعض تفاصيل نفس القضيّة التي اعتقلت بسببها، وفي أمور تتعلّق بغيرها.          في العادة، عندما يتمّ إحضار سجين، أو معتقل خاصّ، قديم أو جديد، إلى سجن المسكوبيّة، يوضع قبل استلامه، من قبل القائمين على السجن، أو حرّاسه، في غرفة صغيرة، كي لا يتقابل مع غيره فيعرفه، إلى أن تنتهي إجراءات إدخاله ( أو إعادة إدخاله)، إلى زنزانته الانفراديّة، أو الجماعيّة، وهي نفس الغرفة التي تجري فيها، في العادة أيضاً، لقاءات الزيارة بين المعتقلين، ومحامييهم، وذويهم في حالة سماح أجهزة المخابرات بذلك. ولمن لا يعرف، فإنّ سجن المسكوبيّة، يعتبر سجناً مؤقّتاً، لا تطول فيه الإقامة، أكثر ممّا يحتاجه التحقيق مع المعتقل، أو السجين المُعاد لإعادة التحقيق معه، أو لاستكماله. والتحقيق يجري في الغالب في غرف ومكاتب، تقع على مقربة من السجن. ولمن لا يعرف أيضاً، فإنّ هذه المسكوبيّة هي في الأصل مجموعة من الأديرة، كانت تتبع الكنيسة الروسيّة في القدس، وتحوّلت ـ على ما أعتقد في زمن لاحق لقيام دولة "إسرائيل" ـ إلى ما هي عليه اليوم: المركز الأهمّ والرئيسيّ للتّحقيق، وما يتبعه من إجراءات الاتّهام، والاعتقال، والإدانة، والسلخ والجلد، أي التعذيب بكافّة أشكاله.          وهو ما حدث، في ذلك اليوم. أدخلت إلى تلك الغرفة، بعدما تمّ إرجاعي إلى السجن، إثر وجبة التحقيق لذلك اليوم. والحقيقة أنّني وضعت في تلك الغرفة، لأنّ الشرطيّ الذي تسلّمني من رجل المخابرات، الذي سلّمني إليه، موصياً إيّاه عليّ، كان وحيداً في تلك اللّحظة، وكان في مهمّة أخرى، أرادها أن تنتهي قبل أن يسوقني إلى غرفتي الانفراديّة، ومن المؤكّد أنّه لم يشأ أن يقول لرجل المخابرات، أو أنّه لم يجد الوقت لذلك، لمغادرة هذا الأخير، على عجل، لأمر آخر عاجل ينتظره في غرف التحقيق، بأنّه وحده، وأنّه مشغول. لم أستغرب الأمر كثيراً، وإنّما خطر ببالي أنّني أدخلت إلى هذه الغرفة، لأنّهم يُخرجون الآن "واحداً " آخر إلى التحقيق، لا يريدونني أن أراه، أو أن يراني. استغرق الأمر منّي، لحظات لأكتشف الغرفة، التي أعرفها من زيارات سابقة، من جديد، وأن أتعرّف بالسمع، على صوت نسائيّ، كان يأتي إليّ همساً من الغرفة المجاورة، التي يفصلها عن غرفتي، شريط من الشبك، يرتفع في النصف الأعلى للجدار الفاصل، بهدف التهوية، حيث لا يوجد غير طاقة واحدة صغيرة، في أعلى الغرفة التي أنا فيها الآن، وأنتهز فرصة انشغال الشرطيّ الحارس، لأطلّ عبر الشبك، لأتأكّد من صاحبة الصوت، التي كانت تتحدّث بالإنجليزيّة، مع من لا أعرف من، حتّى تبيّنت بأنّها واحدة من المعتقلات، التي بدت لي غير عربيّة الملامح والصفات. اقتربت من الشريط، وهمست أسألها بالعبريّة: ما هي الأخبار يا فولا؟ اقتربت بدورها من الشريط، وتطلّعت: من؟ من أنت؟ لم أقل لها، لكنّني سألتها: من هذه؟ فابتسمت: أهلاً.. كيف الحال؟ ماذا تفعل هنا؟ هذه فتاة هولنديّة، يعتقلونها بتهمة العمل مع الفدائيّين. وراحت تسألني: وأنت؟ ما هي الأمور؟ قل لي بسرعة ما الذي يريدونه منك؟ ابتسمت. هل أجيبها على كلّ هذه الأسئلة، التي طرحتها عليّ دفعة واحدة؟ وما الذي أقوله اختصاراً، قبل أن يفاجئنا الشرطيّ؟ فكّرت، وقلت: الثورة في البرتغال!          كانت البرتغال، في ذلك الوقت تغلي بالثورة، وكان الانقلاب قد نجح.          ـ كيف عرفت؟ سألتني بدهشة.          وكانت محقّة جدّاً بالسؤال، فأنا رهن الاعتقال، وممنوع أن تصلني أخبار، فكيف علمت بأحدث خبر، لم يسمع به كثيرون طليقون بعد؟          ـ سمعت المحقّقين يتحدّثون عن شيء من ذلك.          كانوا يتجمّعون حول طاولة الضابط " روني "، بينما كنت مقيّداً إلى كرسيّ في الطرف البعيد من الغرفة الكبيرة، وقد سلّطوا عليّ، عن قرب، أضواء قويّة بهرتني، فأرى، ولا أرى إلاّ الأضواء. وفي أذنيّ تركوا حسّاً لضجيج كبير، كأنّه صوت مولّد كهربائيّ يعمل خلفي، أو إلى جانبي، أو لا أعرف أين. ولكنّني التقطت، رغم ذلك كلّه، كلمات تشبه الثورة، وتشبه البرتغال، وحتّى عندما فتح أحدهم جهاز الراديو، وهمّ يرفع الصوت، نهره أحدهم أن يغلق الراديو، خوف أن أفهم ما هنالك: إنّه بندوق! من المحتمل أنّه يفهم العبريّة، فلا داعي أن يسمع شيئاً، فينقله إلى الآخرين في المعتقل.          وسمعت روني يصرخ بباروخ: لماذا لم تنقله إلى الغرفة الأخرى؟          وباروخ يجيبه: أنت قلت أتركوه لي هنا قليلاً.          وروني يدفعه من أمامه: لنر إن كان قد سمع شيئاً، فهو يفهم العبريّة مثل أمّي.          وجاءوا ثلاثة ورابعهم روني. وروني يسأل، وثلاثتهم يوصلون السؤال إليّ عبر قنوات أيديهم وأرجلهم: هل سمعت الراديو؟ هل سمعت آخر خبر؟ هل تعرف ما الذي حدث في البرتغال؟ سالازار سحقهم. فعل بأمّهم. داس على رؤوسهم.          وختم روني المشهد الفظيع برقصة فرديّة، وقد أبعدهم عنّي وعنه، وهو يردّد: سنسحقكم. سنفعل بأمّهاتكم. وسندوس على رؤوسكم.          وقفل المسرحيّة بجملة له مشهورة، لكم ردّدها على مسامع من مرّوا من هنا مثل مروري: تريدون دولة؟ أيّة دولة؟ في البحر؟ أكثر من إدارة مدنيّة، دولة " إسرائيل " لن تعطيكم.         ضحكت الحاجّة فولا ساخرة. ضحكت وكتمت ضحكتها، وقالت بصوت واضح صريح، وباللغة العربيّة، التي تعرف أنّ الشرطيّ يفهمها: إنشاللّه هون بيصير زيّ البرتغال. حمرا. حمرا زي الدمّ هذا اللّي في وجهك.          فرفعت يدي إلى وجهي أتحسّسه، وأمسح عنه الدم، وأنظر إليه على يدي. بينما راحت هي تترجم للهولنديّة، ما دار بيننا، وما بلغ إلى أسماعنا، عن ثورة القرنفل في البرتغال، وعن نجاحها.          يدخل الشرطيّ إلى غرفتي، ويخرجني، وهو يسبّ ويلعن، وقد ثارت ثائرته، ليس لأنّني عرفت عن الثورة في البرتغال، ولكن لأنّني رأيت من كان في الغرفة الأخرى، وأنّه رآني، وأنّنا تحدّثنا وتبادلنا الحديث.          تخرج فولا من الغرفة التي كانت تجتمع فيها إلى الهولنديّة المعتقلة بتهمة العمل مع الفدائيّين.          يركض الشرطيّ بي.          تركض كلمات فولا ورائي: مع السلامة يا صاحبي.          وتصرخ بالعبريّة الفصحى: مَحار يِكْرا بيسرائيل كْمو ببرتغال! أي: غداً سيحدث في "إسرائيل" ما حدث في البرتغال!          وطال بنا الانتظار. لم يحدث في "إسرائيل"، ما حدث في البرتغال. ولكن حدث عندنا.. ما أطال في عمر "إسرائيل": أوسلو العظيم.. عشرون سنة (تقريباً).. بعد سقوط الطاغية " سالازار"!  ٭٭٭ III  طارق العراقي..(؟!)               هل يجرف التيّار       في طريقه فقط              من يسير عكسه؟                           " كفار يونا ". بيت ليد، معتقل. سجن. محطّة ( اعتقال)، بين محطّتين: الاعتقال والسجن. كيف؟ وهل ثمّة فرق؟          ما بين لحظة الاعتقال، عفواً: إلقاء القبض، وإصدار الحكم، تقع كفار يونا. إنّها ـ إن شئت ـ مرحلة، أو رحلة، لا بدّ منها، ما بين " المسكوبيّة "، و" الرملة"، أو ما بعدها بشكل عام. لكن حذار، لا يأخذنّك الاعتقاد بأنّها رحلة ممتعة. مرّة هي الأخرى بطعمها. ويحدث فيها الكثير. وممّا يحدث أنّك تجتمع فيها، إلى رفاق سجن متعدّدين. من جنسيّات وهويّات مختلفة. لبنانيّون، وسوريّون، وعراقيّون، وآخرون. وبالطبع فلسطينيّون، من هنا، ومن هناك. من الخارج، ومن الداخل.. عفواً.. أقصد من الدّاخلَيْن: ما يسمّى ب "المناطق"، والضفّة منها بشكل خاص، ثمّ ما لا أعرف ماذا أسمّيه، ولكنّي أدعوه الجليل، والمثلّث، والنّقب. جمعتهم، في غرف تتجمّع في الطابق العلويّ، الطابق الذي لا يطلّ على حدائق، أو على البحر، الطابق الذي.. تُرى ما لون السماء فوقه؟ وما طعم الهواء من حوله؟ وما رائحة الماء؟ وما لون وطعم ورائحة الدّواء؟ قضيّة واحدة اسمها فلسطين. وما هي هذه الفلسطين؟ سنجدها حتماً في هذا القاموس، أو ذاك الأطلس، ومن المؤكّد أيضاً، أنّنا سنجدها، في هذا العذاب الموحّد من حولها. فهل سنذهب بعيداً، لنبحث... عمّ سنبحث؟         ومثله، مثل الطابق العلويّ( هل مثله تماماً؟ هل مثله أم...؟) الطابق الأرضيّ. ويمكن أن نقول أيضاً، الطابق السفليّ، كما يُقال في مكان آخر، العالم السفليّ، كونه إن شئتم مأوى سجناء الجريمة. القتلة، والمغتصبون، وقطّاع الطرق، والسُطاة، وتجّار المخدّرات، والقوّادون، والمزيّفون.. وماذا أيضاً؟ ومن هم؟ من أين هم؟ إنّهم في الغالب إسرائيليّون يهود. لذلك، لذلك كلّه، لا تخلط إدارة السجن بينهم، وبين سجناء الطابق العلويّ. لذلك، لذلك كلّه، تميّز سلطات السجن بينهم، وبين سجناء الطابق العلويّ. لذلك، ولذلك كلّه، تبدو الفوارق واضحة، في النظر إليهم، في معاملتهم، في منحهم ما لا يمنح لغيرهم. تنتقل إليهم عدوى سلوك السجّانين نحونا، من حين لآخر، وكلّما سنحت الفرصة، بوقوع فريسة من بيننا، بين أيديهم. وهم لا يتورّعون، عن اقتراف الجريمة التي يتميّزون بها، في أوساطهم، تحت سمع وبصر السجّانين: الاغتصاب. ويذهبون حدّاً أبعد من اغتصاب الجسد. لقد حفروا ذات يوم، نجمة داوود، على صدر طارق العراقيّ، بعد التداول على اغتصابه. ومن طارق العراقيّ؟ قيل بأنّه كان السائق الشخصيّ لنايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطيّة لتحرير فلسطين. اختطف من جنوب لبنان، وجيء به لمحاكمته هنا، في "إسرائيل"، بتهمة الانتماء للمقاومة الفلسطينيّة. هل قالوا هذا؟ لا. هم يقولون الانتماء إلى منظّمة تخريبيّة معادية لدولة "إسرائيل". وما الذي رمى بطارق العراقيّ إلى الطابق الأرضيّ؟ قيل بأنّه طلب نقله من الغرفة التي يقيم فيها، إلى غرفة أخرى، فنقلوه إلى غرفة في الطابق السفليّ. وأوصوا نزلاءها به خيراً. فاستفردوا به. وكان كلّما علا صراخه، كلّما أصمّ السجّانون آذانهم. فحاول الانتحار بقطع وريده، لكنّ ذلك لم ينقذه من استمرار الأذى، والإذلال، والإهانة، والإيلام. حتّى قايضته إدارة السجن، على إعادته إلى الطابق العلويّ، بالتجسّس واستخلاص معلومات تفيد المحقّقين، في وضع التهم التي تدين نزلاءه من معتقلين يسمّون مخرّبين، ويسمّون سياسيّين، ويسمّون أعضاء في "أشاف" (أي م.ت.ف، أي منظّمة التحرير الفلسطينيّة). ولأنّه كان يحسّ بالعار. ولأنّه كان يحسّ أيضاً بالألم، وقد رأى بأنّه معزول، ومهمل، ومحتقر، بسبب قبوله الانتقال إلى الطابق السفليّ، ووضعه مع سجناء الجريمة. بكى طارق. هل أغمض عينيه لينام؟ لماذا ينظر من حوله فزعاً؟ ما الذي يسكت عليه؟ لماذا يأخذونه مطأطأ الرأس، ثمّ يعيدونه مطأطأ الرأس؟ قل يا طارق. تحدّث. ما الذي حدث، وما الذي يحدث؟ ما الذي يريدونه منك؟ لا بل ما الذي تريده الآن منّا؟ اكشف الغطاء عمّا تخبئه في صدرك يا طارق، فإنّهم لن يتركونك في سلامة، لا منهم، ولا منّا. بكى طارق من جديد. وأعرب عن أسفه، وعن ندمه. وكشف عن صدره، وحدّث بما فعلوه به. واعترف بما تريده منه إدارة السجن. ورجا معاونته على التخلّص من نجمة داوود المحفورة بالنّار وبالسكّين فوق قلبه. كيف؟ هل سينزع الجلد؟ هل سيحرق؟ وهل ستمحى آثار تلك الجريمة؟ فوق الجلد، وفي النفس، وفي الذاكرة؟          حان موعد محاكمتي، أمام محكمة اللدّ العسكريّة. نقلت بعدها إلى سجن الرملة. وتركت طارق العراقيّ ورائي، في معتقل كفاريونا. هل تركته هناك؟ هل تمّ نقله إلى سجن آخر؟ ما الذي حدث معه بعد ذلك؟ كيف سأمحوه من ذاكرتي؟          يحدث أحياناً، أن نحمل في الذاكرة، ما لا نستطيع تحمّله طويلاً. ونحسّ على الدّوام ثقله. فهل نريح، هذه الذاكرة المتعبة، بكتابة ما نحمله فيها، ولو قليلاً؟          وماذا لو كان هذا الحدث، محفور فيها، بالنّار وبالسكّين؟          هاأنذا قد كتبت. فهل سأنسى طارق العراقيّ، بعد الآن؟ كيف سأنزعه من ذاكرتي؟          هراء.          ٭٭٭  IV          عبد الرحمن البيطار..   أخي.. جاوز الظالمون المدى!            محكمة.          يدخل الحاجب. وينادي: ليقف المتّهم.          لا يدخل الحاجب، ولا ينادي. لكن يقف المتّهم. لا. لا يقف المتّهم. أنا أقف.          من المتّهم؟          هل تذكر المحكمة؟          هل لمحاكمهم ذاكرة؟          كم من متّهم؟ وكم من ضحيّة؟          هل يعدّ الطّغاة ضحاياهم؟          هل يذكرون وجوههم؟          هل يعرفون ما يؤلمهم؟          هل يسألونهم؟          سيسألونهم عن جريمة لم يقترفوها، وهم يعرفون بأنّهم.. في غالب الأحيان أبرياء.          يعرف قضاة محاكم الطّغاة، بأنّ المتّهمين أمامهم، ذريعة لجرائم أكبر، يرتكبها الطّغاة أنفسهم، دون أن يجرؤ القضاة، أنفسهم، على سؤالهم.          يعرف قضاة محاكم الطّغاة، بأنّهم قضاة في محاكم الطّغاة، وأنّ عليهم محاكمة من يعترض على أسيادهم الطّغاة.         هل قضاة محاكم الطّغاة، لا يعرفون ما يقترفه أسيادهم الطّغاة من جرائم؟          وكيف لا يعرفون، وهم شركاء في الجريمة؟          في محكمة اللدّ العسكريّة وقفت. لا. لم أقف. أرغمت على الوقوف.          هل أنا من وقف؟          وهل كان بإمكان عبد الرحمن البيطار، أن يقف؟          " حطام إنسان، فوق المقعد الخشبيّ، داخل قفص الاتّهام، في محكمة اللدّ العسكريّة"(؟!)          قالت الحاجّة فولا، وفي صدرها غصّة.          الحاجّة فولا؟          فيليتسيا لانجر، يا قارئي العزيز.          ومن يكون؟ أهو أنت؟ أم هل أختار له اسماً، من بين الأسماء الكثيرة؟          تمهّل. يواش يواش، كما يقول الأتراك.          المعذرة. فقد تذكّرت، وليس جريمة أن أتذكّر، أسماء أعرفها، وتعرفها، ويعرفها الكثيرون، من الأحياء، والأموات أيضاً.          حسناً. ودون أن ندخل في "حزّر فزّر"، قل لي، يا أيّها الممثّل الذي يبحث عن شخصيّة يليق بها ليمثّلها، بمن فكّرت؟          أوووووووه، يا صديقي ال.. هل أقول الكاتب، أم المؤلّف، أم الرّاوي، أم الحكواتي؟ أم ماذا، بحقّ السماوات الشاهدة، والأرض الشهيدة؟          قل الشاهد الحيّ، وقل ما تشاء؟          عبد الرحمن البيطار. ابن القدس القديمة. أليس كذلك؟          هل قرأت ذلك في أفكاري؟          لا. قرأته في كتابة لك، عن مذكّرات للحاجّة فولا.          نعم. هو. عبد الرحمن البيطار. ابن الثمانين ونيّف، ساعة المحاكمة. والذي كان " شهيقه، وزفيره، حشرجة كائن يحتضر، ويعاني سكرات الموت"..          لم تبالغ، ولم تخطئ فيليتسيا لانجر، في الوصف.          أحد الحرّاس. نعم. حارس من بينهم. حارس يدفعون له هم أجرته. كان يسكب له الماء في فمه الفاغر، ويعلّق: " تبّاً لهم! ما لهم وهذه المومياء البشريّة.. جلد على عظم!(؟؟؟؟).          يرخي آخر(من؟ جنديّ. ونكتشف بأنّ الأوّل كان جنديّاً أيضاً، وليس حارساً وحسب) طرفه، نحو الساق الخشبيّة، ويعلن (من استمع له؟): " إنّه يلفظ أنفاسه الأخيرة!".          هكذا بدا عبد الرحمن البيطار في محكمة اللدّ العسكريّة. وهكذا كان في معتقل كفار يونا قبل ذلك. لا شيء اختلف في هذا عن ذاك. وفيليتسيا لانجر كانت بارعة، وواقعيّة جدّاً، في الوصف. فما الذي سأقوله بعد ذلك؟ لن أقول شيئاً، لكنّني سأطلب منك، يا قارئي العزيز، أن تحاول وضع مجسّم لوصف فيليتسيا السابق أمام عينيك، وأن تتخيّل أنّ واحداً يمسك بعبد الرحمن، ليأخذه إلى المرحاض، ويراقبه، ويسنده من وراء، واقفاً أو جالساً، وهو يقضي حاجته. وتخيّل آخر يقف إلى جانبه تحت ماء الحمّام، ليتبلّل معه وهو يحمّمه، وثالث يبدّل له ملابسه، ورابع يحضر له طعامه، بعد أن يردّ على استجواب كامل، ويوميّ، ومع كلّ وجبة، من قبل الحارس الذي يشرف في تلك الساعة على توزيع الطعام: أيّ طعام؟ ولمن ستأخذه؟ ولماذا لا يحضر هو بنفسه إلى غرفة الطعام؟ وهل لم يأخذ له أحد آخر الطعام؟ ومن أنت؟ وما علاقتك به؟ أخوه؟ ابن عمّه؟ و.. أين هو التقرير الطبّي لهذا العبد رحمن؟ ولماذا هو معتقل هنا؟ مخرّب مثلكم؟ أشاف؟ فهمت. وفي أوقات الزيّارة، لا بدّ أن يأخذ أحد بيده. يساعده. ليرى، ولا يرى عبد الرحمن جيّداً، من خلف شريط الشبك، الذي لا يمكنك إخراج إصبعك من فتحاته، زائره. وماذا أيضاً؟ تصوّر كيف يقف عبد الرحمن، في صفّ العودة من الزيارة. وكيف يتمّ تفتيشه. وما الذي يحسّ به عندما يمدّ السجّان يده، يبحث في كلّ مكان من جسد عبد الرحمن، عن سيجارة مفلترة إضافيّة، لمصادرتها.. تصوّر..          وتصوّره، وهو يخرج من غرفته، مع بقيّة نزلائها، عرضة للتفتيش، في الملابس، وعلى الجسد، والسجّان يطلب منه، من عبد الرحمن نفسه، كما يطلب من غيره، أن ينزل سرواله، وأن يباعد ما بين ساقه الصحيحة، وساقه الخشبيّة، ليتأكّد من عدم إخفاء عبد الرحمن، بينهما، أوراقاً تحمل أسراراً، تصلح لتهم مضافة، أو سكاكين وآلات حادّة وشفرات حلاقة.. ولا يتورّع عن إدارته بيده، بقسوة لا بلطف، ليفعل به من وراء ما فعله من أمام..          تصوّر. ما الذي يمكن أن تتصوّره بعد ذلك، أو غير ذلك؟ أن يشعر عبد الرحمن بالاختناق فجأة، في الغرفة أو في ساحة الفورة، فلا تعرف ما تفعله لتنقذه؟ وعندما يكحّ؟ وتشتدّ عليه الأزمة؟ وتغرورق عيناه بالدّمع؟ أو تفرّان من محجريهما؟ ويصبح عبد الرحمن والأموات سواء؟ هل ستركض إليه لنجدته؟ ستركض. وسيركض من حولك رفاق آخرون. وما الذي ستفعله، وأنت تقف أمامه، وهو يفترش بطّانيّته، داخل الغرفة أو أمامها، دون أن يستطيع الحراك، أو التدليل على أنّه ما يزال حيّاً يرزق؟ وما الذي ستراه فيه، غير قفصه الصدريّ، وهو يخفق. يعلو ويهبط. وترى، إن ساعدتك مشاعرك نحوه، على الرؤية، عيناه وهما كأنّهما تتدحرجان أمامك، حتّى تصلا قدميك. سترتعد ساقاك. سترتعدان فزعاً. وتمدّ يدك برجاء. لمن؟ لكنّك تمدّهما راجياً الموت أن يرأف به. أن يتركه. عبد الرحمن ميّت أصلاً. فلماذا يستقوي عليه الموت؟ وستصرخ. رأفة بهذا الكائن المحتضر. ستصرخ بالسجّان الواقف متّكئاً، ومبتسماً، على قضبان الباب، أن يحضر الممرّض، كي يعمل على تأجيل موت هذا الكائن الإنسان، ولو قليلاً، إلى أن.. يدرك السيّد المدير، ومن فوقه، ويدرك القضاة العاملون لدى الطّغاة، والطّغاة، بأنّ موت مثل هذا الرجل، بين أهله، وأهله هم أهل بيته بلا شكّ، أكرم له. ستصرخ. ستصرخ علّ أحداً ممّن بيده الحكم والأمر يسمعك: إن لم تحترموا الحياة، فاحترموا الموت على الأقّل. فإنّكم ميّتون أيضاً، مثلما يموت الآخرون، إن لم يكن أسوأ من موتهم. يبهت السجّان. يلتفت. هل ثمّة من يراقبه؟ يتفحّص الساحة بعينيه. لا أحد. لا أحد إلاّه. ينظر إليك. تنظر إلى عبد الرحمن الذي يحتضر في وهن، لكن بكبرياء. فيرى السجّان ما تراه، كأنّه يراه لأوّل مرّة. فيركض. يركض إلى حيث لا ترى. لكنّك تعرف أنّه يركض إلى حيث يوجد هاتف. فهو لا يستطيع أن يتكتّم على ذلك أكثر. وسريعاً ما يعود. إليك؟ إلى وظيفته. أن يراقب ما يحدث في الغرفة. لكنّه يقول لك لاهثاً: إنّه في الطّريق. فتفهم أنّه الممرّض. فتنتظر. وينتظر من حولك رفاقك الآخرون. وعبد الرحمن يئنّ أنيناً متواصلاً، لكن صامتاً صمت كبير في كبريائه، وعزيز في مقامه، وهو يعرف قدره بين رفاقه، رغم أنّه كان يعرف أنّه ليس زعيماً، أو قائداً، أو.. غير أنّه عبد الرحمن البيطار، ذو الثمانين ونيّف من السنين، من البلدة القديمة في القدس التي يعشقها، لكن لا يعشقها وحده. وهو ربّما ما يطمئنه، وهو يرى ذلك في عينيك، وفي عينيّ رفاقنا الآخرين.          ستنتظر. وسينتظر عبد الرحمن. وسينتظر رفاقك الآخرون. و.. إحقاقاً للحقّ، سينتظر السجّان معكم. ربّما لعوامل إنسانيّة في نفسه، كأنّه يرى أباه يموت أمامه. ربّما. لكن أيضاً، لأنّ ذلك هو ما تمليه عليه وظيفته. إنّه المسئول المباشر عمّا يجدّ في هذا القسم من السجن. فأهلاً. أن يكون معنا، في مثل هذا الموقف، خير من أن يكون ضدّنا، على الدّوام، وبشكل آليّ. أهلاً، لكنّ انتظارنا جميعنا يطول. وكأنّ الطريق(ألم يقل بأنّ الممرّض في الطّريق؟) في مكان آخر. أو يؤدّي إلى اتّجاه آخر. فما الذي ستفعله؟ عمّن ستصرخ؟ لن يسمعك الممرّض.. حتّى تراه أمامك. ولن يسمعك المدير.. إنّه الآن حيث لا تدري. ومن ترى سيسمعك، دون حاجة بك إلى الصّراخ، غير عبد الرحمانك ( منذ علمت به، ومنذ التقاك، وقلت له: ما الذي جاء بك إلى هنا يا عمّي عبد الرحمن؟ وأجابك: لا بل ما الذي جاء بك أنت يا ولدي إلى هنا؟)، وغير رفاقك الذين يلتفّون الآن جميعهم، من حولكما، بينما ابتعد السجّان عن باب الغرفة، ليتكئ على باب الغرفة المجاورة، ويحكي لنزلائها ما لا تسمعه. لن تصرخ. ولكنّك ستجلس القرفصاء، قرب عبد الرحمانك، وهو يكحّ، يكحّ، ويكحّ، وتتحسّس شعره، وجبهته، وتمسك على عظم كتفه. وتشعر بمن يمسك على كتفك. ثمّ يجلس القرفصاء إلى جانبك. ويمسح على شعر عبد الرحمن، وجبهته. فتنهض. تمشي إلى قضبان الباب الحديديّ، وتصرخ: أيّها الحارس، أين ذلك الممرّض السجّان؟ إذا حدث شيء لعبد الرحمن، فلن يهدأ لكم بال. فجاء الحارس السجّان يجري، وأمسك بقضبان الباب الحديديّ، وسألك: وما الذي ستفعله يا سبع؟ فقلت له، وأنت تلتفت نحو الرفاق، ونحو عبد الرحمن: سنعلن الإضراب، والعصيان. فركض الحارس، ليبلغ بالأمر، ويعود راكضاً، ويقول: قالوا بأنّه في الطّريق، وأنّه لن يتأخّر!          وتأخذ في مراقبة الطّريق: ممرّ طويل أمام الغرف، ودرج أطول ينزل إلى تحت، وخمسة أبواب مغلقة، بدءاً من باب الغرفة، ومن وراء ذلك التحت، سيأتي الممرّض السجّان، ويصعد نفس الدرج، بعدما تفتح له الأبواب الخمسة المغلقة باباً وراء باب! وإلى أن يصل، يا الله السلامة على عبد الرحمن! وعبد الرحمن يحتضر. تراه يحتضر. ويراه رفاقكما في الغرفة يحتضر. وأنت عاجز عن إنقاذه. كلّكم عاجزون عن إنقاذه.          عبد الرحمن يكحّ، ويكحّ. وصدره يخفق، ويخفق. تركض تحضر له ماء. تقترب منه. تقرّب الماء من فمه. تحاول أن تصبّ الماء في فمه. شفتاه مطبقتان. شفتا عبد الرحمن البيطار الآن مطبقتان، بإحكام. في الصباح، نزع عبد الرحمن البيطار أسنانه الاصطناعيّة، فتركت في فمه فراغاً كبيراً، شدّ إليه الشفتين، فأطبقتا. عبد الرحمن يتنفّس الآن عبر أنفه فقط. تنظر إلى عبد الرحمن. هذه ال.. مومياء البشريّة، التي ما تزال أمامك حيّة، أو هي شبه حيّة، بسنواتها التي تفوق الثمانين. تنظر إليه، وتسأله: ما الذي يريده منك السجّان يا عبد الرحمن؟ ماذا فعلت لكي يسجنك، وهو يعرف أنّك تحتضر؟ ما هي الجريمة التي اقترفتها يا عبد الرحمن البيطار، يا ابن الثمانين ونيّف من السنوات، ويا ابن البلدة القديمة من القدس؟ هل كنت تعتقد يا عبد الرحمن بأنّهم سيحترمون موتك، وهم لا يحترمون حياتك؟ انتظر يا عبد الرحمن. انتظر أرجوك. وتركض إلى قضبان الباب تهزّها. هل كنت ترتعش؟ هل كنت تبكي؟ السجّان لا يرى ارتعاشك. لا يهمّه أن تبكي. لا يهزّه أن يموت عبد الرحمن، أو أن تموت، أو أن تموتوا جميعكم. السجّان وراء الباب يراقبكم. السجّان وراء الباب يسجنكم. وخلفه خمسة أبواب مغلقة. والممرّض السجّان لا يأتي. وأنت تشير إلى عبد الرحمن، وتسأل السجّان الواقف وراء الباب يسجنك، يسجن عبد الرحمن، يسجنكم: هل ترى؟ هل تحسّ؟ هل تعرف ما هذا؟ يصيح بك: ما الذي تريدني أن أفعله؟ سيحضر الممرّض. تبتسم. لا تبتسم له. تبتسم سخرية. منه؟ من الأقدار؟ ممّ إذن؟ وتقول: لا نريد الممرّض. لم تعد لنا حاجة به. لقد مات الرجل. فيسألك: كيف؟ وتسأله: لماذا عبد الرحمن هنا؟ لماذا تسجنونه؟ ما الذي اقترفه، لكي تأتون به، يموت هنا في السجن؟ يشعر السجّان بأنّه يؤدّي واجباً. يشعر السجّان بقوّته. يشعر السجّان بالفخر. يقف معتدلاً. يستعدّ. يشمخ بصدره. يقول: إنّه من فتح! مخرّب! ويركض إلى رأس الدرج، لينادي بصوت عال على الممرّض باسمه: إلياهو! تلتفت إلى عبد الرحمن، وأنت تعتقد بأنّه قد.. مات، وتهمس: أنا لست من فتح، ولكنّي فخور بك يا عبد الرحمن. فخور بأنّك بثمانينك تخيفهم. فيدهشك عبد الرحمن الميّت، بكحّة تعيده إلى الحياة. تركض إليه: إنّه ما يزال حيّاً. يطلب عبد الرحمن ماء. تستبشر خيراً: إنّه يتكلّم. وعيناه تتوقّفان عن الفرّ، وها صدره يهدأ. يحضر الماء في الحال. تسقيه. وهو ينظر إليك. يتبيّن وجهك. وتنفتح شفتاه، لتسمعه، ويسمعه رفاقك الآخرون، يقول لك: رضي اللّه عنك يا ولدي. وتراه وهو يجاهد في تنفّسه، ليضيف: جازا الله أولاد الحرام! تمسك بيده. عود هشٌ من غصن بائس في خريف حزين. هل تشعر بالشفقة عليه؟ بالطبع. ولكنّه شعور ممزوج بالفخر وبالتقدير له، وبالنّقمة بلا شكّ على السجّان. تتلفّت من حولك، وقد أسعدتك عودته هذه إلى الحياة، فترى رفاقكما الآخرين قريبون منكما، وهم يشاطرونك نفس الشعور، ونفس السعادة. تسمع من وراءك قرقعة المفاتيح في الباب. تذكّرك في كلّ لحظة أنّك سجين. أنّك سجينهم. لماذا؟ ليس هذا وقته. فقد جاء الممرّض. أعلن ذلك واحد من رفاق الغرفة. وعلّق آخر: الآن؟ بعدما تموت يشرّف هو! لكنّ صوتاً من جهة الباب قال آمراً: ليعد كلّ واحد إلى مكانه. ابتعدوا بسرعة. تلتفت نحو الباب. فتراه يتقدّم بصندوق أدويته، بينما ظلّ السجّان الحارس في الباب يراقب ما يحدث. يبتعد الرفاق. يأمرك السجّان الممرّض: وأنت أيضاً. اذهب إلى مكانك. ينظر إليك الحارس السجّان وأنت تبتعد، ويهمس لصاحبه الممرّض السجّان بالعبريّة: ذاك هو المحرّض! فيجيبه: أعرفه. رأيته في المطعم، يطالب بقطعة خبز إضافيّة لغيره. ويسأل عبد الرحمن بجفاف، وهو ينظر إليه من عل: شو مالك؟(ما بك؟) كأنّه يسأله: لماذا أقلقتني؟ فينظر إليه عبد الرحمن البيطار، وإلى صندوقه، ثمّ يبحث عنّي بعينيه. فيقرّر السجّان الممرّض: جيبه (أحضره) تحت! فتفهم، وتسرع نحو عبد الرحمن. ينهرك السجّان الممرّض، والسجّان الحارس معاً: على مهل. تتجاهلهما، وتنحني لمساعدة عبد الرحمن على الوقوف. يشير عبد الرحمن إلى ساقه الخشبيّة. تلتفت إلى الرفاق. يدرك أحدهم، فيسرع إلى الساق الخشبيّة، ويقترب بها منكما. يتراجع السجّانان إلى الباب. تساعد عبد الرحمن على وضع ساقه الخشبيّة. لم يكن الأمر بالسهولة التي توقّّعها الحارس السجّان، فصاح بصوت عال، لكن مرتعش، وخائف، وهو يمسك بالباب بيد، ويستند بظهره إلى الحائط، وقد ذهب عنه السجّان الممرّض، إلى الباب الأوّل في أعلى الدّرج، فتركه وحيداً في مواجهة الخطر( !؟؟): هيّا. أسرعوا. تتعاون ورفيقك الآخر، على مساعدة عبد الرحمن على الوقوف. يقف عبد الرحمن. يساوي ساقه عند الركبة، أو ما فوقها بقليل. تعطيه عصاه في يمناه، فيطوّقك بيسراه. تطوّقه بدورك بيمينك، لتسنده إليك. تحسّ بأنفاسه الضعيفة. تمشيان. والحارس السجّان يطالبكما بالإسراع. تخرجان من الغرفة. يطلب منكما التوقّف. يغلق الباب وراءكما. يقودكما إلى الباب الذي في أعلى الدرج، حيث ينتظركما زميله السجّان الممرّض. يفتح هذا الباب ويأمركما بالنزول. يغلق الباب وراءكما. ويسرع في الهبوط. تهبطان، لكن ببطء شديد. يطالبكما السجّان الممرّض من قاع الدّرج بالإسراع. يحاول عبد الرحمن كبت أنينه في صدره. تسأله: أحملك؟ يجيبك لا بهزّة من رأسه، وفمه مغلق، لا بل شفتاه ملتصقتان من جديد. تتعثّر مرّة. يتعثّر عبد الرحمن مرّة. تنزلق عصاه على الدّرج مرّة. تخونه ساقه الخشبيّة مرّة. يجب أن لا يقع عبد الرحمن فوق الدّرج. يجب أن لا تسقط في تجربة الحفاظ عليه من الوقوع، ولو بأيّ ثمن. عبد الرحمن ما يزال حيّاً يا رفيق. يبدو ميّتاً ضعفاً، ووهناً، لكنّه حيّ. مثلك عبد الرحمن يقاوم الموت، فلا تدعه يا رفيق يموت. تماسك يا عمّي يا عبد الرحمن تماسك. لا تدع الموت يخذلنا يا عمّي يا عبد الرحمن البيطار يا ابن الثمانين وأكثر يا ابن القدس القديمة قدسي وقدسك. يتكرّر الأمر بكما، ما بين عثرة هنا، واحتمال وقوع هناك، إلى أن تصلا أسفل الدّرج. حيث تقرع المفاتيح من جديد. ويفتح الباب الذي في أسفل الدّرج. ومنه إلى ساحة صغيرة. ثمّ باب آخر. يليه الباب الخامس، الذي سيفضي بكما إلى.. ما يسمّى العيادة. قلت ما يسمّى العيادة، لأنّ ما سيحدث فيها بعد دقائق، لن يريح عبد الرحمن من آلامه، أو ينقذه من العذاب.          في العيادة، يطلب منك الممرّض السجّان، وضع عبد الرحمن على السرير المغطّى بملاءة بيضاء. يتعذّر عليك ذلك دون مساعدة من أحد. يقترب الممرّض السجّان منكما وهو يضحك: ما كرا لخا قبضاي؟ أتا لو يخول؟ أتا روتسيه شِأني أعزور لَخا؟(ما الذي أصابك يا بطل؟ لا تستطيع؟ تريد أن أساعدك؟). ويمسك (يقبض) على عبد الرحمن من جذعه، ويطلب منك أن تحمله من أسفل. يصرخ عبد الرحمن محتجّاً، من شدّة الألم، وهو يلقي به فوق السرير: بشويّة عليّ. عظامي توجعني. فتقول بدورك: ريجة ريجة( على مهل)، أتِمْ روتسيم لهروج أوتو؟(هل تُريدون قتله؟). يحدّجك الممرّض السجّان بنظرة حانقة، قبل أن يعلّق قائلاً: أنحنو لو أمرنو لو شِهو يعسه مخبل؟( نحن لم نقل له أن يكون مخرّباً). ويأخذ في تجهيز إبرته. فتقول وأنت تراه يملأها بسائل أبيض: هو لو مخبل(هو ليس مخرّباً)، تستكيل لو. زه مخبل؟( أنظر إليه. هل هذا مخرّب؟). ينتهي من تحضير إبرته. ويطلب منك كشف مؤخّرة عبد الرحمن. تفعل، وعبد الرحمن يئنّ: صبراً يا عمّي عبد الرحمن. تقول له، والممرّض السجّان يدفع بإبرته في إلية عبد الرحمن.  وعبد الرحمن يصرخ. من ألم آخر فوق آلامه الكثيرة. وترى السجّان الممرّض وهو يعاود دقّ الإبرة في إلية عبد الرحمن. وتسمع عبد الرحمن وهو يصرخ من جديد: إنّه يوجعني. فتضع يدك ما بين الإبرة، وقد أعدّها السجّان الممرّض، لدقّها من جديد، كأنّه يطعنه بها، وما بين إلية عبد الرحمن. وتقول محتجّاً: مسبيك(يكفي). أتا روتسيه لهروج أوتو؟(هل تريد قتله؟). فيطلب الممرّض السجّان، من السجّان الحارس على العيادة، أن يخرجك: هوتسي أوتو مي هينا(أخرجه من هنا). تعترض. تتمنّع. تحتجّ. تقاوم. ينضمّ الممرّض السجّان إلى السجّان الحارس للعيادة، ويخرجانك بالقوّة. يعود السجّان الممرّض إلى العيادة. يغلق الباب وراءه. ويختلي بعبد الرحمن، ويبقى السجّان الحارس قابضاً عليك من ذراعك: شتوك. أور أتا روتسيه لشخون هليلة بتسيلول؟(أسكت. أم أنّك تريد أن تنام الليلة في الزنزانة؟). فتسكت. ليس لأنّك تخاف من النّوم في الزنزانة. بل على العكس، هم لا يفضّلون وضعك في زنزانة، خوف أن تكتب على جدرانها، ما يمكن أن يقرأه من سيأتي من بعدك، من رفاقك السجناء. وما الذي ترى ستكتبه؟ أحبّوا غزاتكم يا رفاق فإنّهم متحضّرون! وكونوا طيّبين مع سجّانيكم فهم مساكين! هل هذا ما كتبته على جدران زنزانتك في المسكوبيّة، وأنت تحت التعذيب؟ لا تذكره الآن، ولكنّك تذكر بأنّ رفاقاً لك مرّوا من تلك الزنزانة، قالوا لك: حفظنا ما كتبته عن ظهر قلب. فانتعش قلبك. والآن أيضاً سيسعدك كثيراً لو وضعوك في زنزانة. فأنت ستكتب على جدرانها وستكتب. ستكتب.. نعم ستكتب عن عبد الرحمن البيطار، وعن خديجة أبو عرقوب، وخالد الأشهب، والآخرين، وما فعلوه بهم، لينتقل الخبر من غرفة إلى غرفة، ومن سجن إلى سجن. لكنّك حزين في هذه اللحظة لعبد الرحمن. وتفكّر: حاولوا القضاء عليه بالتأخير فلم يفلحوا.. فلقد قاوم حتّى الموت. وها هم الآن يحاولون قتله مباشرة بطريقة مداواتهم له. تشتمهم في سرّك. وتقول: هؤلاء بشر لا قلب لهم ولا ربّ. ولو كانوا يعرفون ربّاً، ما فعلوا بعبد الرحمن ما يفعلون. وتذكّرت ما قاله لك أحد المحقّقين المعذّبين، حين رجوته أن يأخذ بشأن ربّه فيك: نحن هنا لا نعرف أحداً اسمه الربّ! دقائق ثقيلة وطويلة، ويفتح الباب. يخرج السجّان الممرّض. يطلب منك أن تدخل لتأخذ عبد الرحمن، وتعيده إلى غرفة السجن في الطابق العلويّ. تدخل، وفي نفسك أمنية لو أنّ عبد الرحمن يعود إلى بيته في البلدة القديمة من القدس. حال عبد الرحمن لا يسرّك. إنّه ما يزال يئنّ. أنينه شديد. أنينه مؤلم. يؤلمك. تحاول إيقافه على قدميه، الطبيعيّة والخشبيّة، وأنت تسأله بهمس عمّا فعله به الممرّض السجّان. عبد الرحمن لا يجيب ولا يقف. لا يستطيع حتّى بمساعدتك. تلتفت إلى السجّان الممرّض، وتسأله بحنق وغضب: ماذا فعلت به؟ يجد الممرّض السجّان الجرأة ويجيبك: لا شيء أعطيته الدّواء. لعلّه ينفعه! تحدّجه بنظرة مستنكرة، فيقول دون وازع من ضمير أو من شفقة، على سنّه، وعلى ضعفه ووهنه: من قال له أن يفعل "مخرّباً"؟ فتسأله، وأنت تشير إلى عبد الرحمن: هذا مخرّب؟ فيجيبك، كأنّه يحفظ الدّرس عن غيب مثل غيره: هو من فتاخ (فتح) موش هيك؟ خلص. هو خبلان.. يعني مخرّب؟ تتجاهله. عبد الرحمن بحاجة إلى مساعدتك. تحاول ما استطعت كي توقفه على قدميه. قف يا عمّي يا عبد الرحمن يا ابن الثمانين ونيّف وابن البلدة القديمة من القدس مثلي. قف. قاوم. استمرّ في تحدّيك لهم ولموتهم. تذكّر أنّنا لن نموت ولكنّنا سنقتلع الموت من أرضنا. تذكّر يا عمّي يا.. يقف عبد الرحمن إلى جانبك. لا. أنت تقف إلى جانبه. تضمّه إليك من تحت إبطيه. تنظر إليه: نمشي؟ يجيبك برمشيه موافقاً. فتمشيان. تخرجان من عيادة الموت. عند الباب الأوّل من الأسفل، يوقفكما سجّان آخر لم ترياه، ولم يركما وأنتما قادمان إلى هنا. لم يرحّب بكما. لم يتمنّ السلامة لعبد الرحمن. لم يبتسم. عبس وتولّى وسأل: ماذا تفعلان هنا؟ أين كنتما؟ في العيادة تقول له. يسألكما من جديد: أين السجّان المرافق لكما؟ تفكّر، وتقول له: ظلّ في العيادة.          ـ " انتظراه هنا إلى أن يجيء". قال، من وراء الباب المغلق.                  ـ "ولكنّ الرجل، كما ترى، مريض، ويجب أن يرتاح في برشه". قلت وأنت تمسك بعبد الرحمن لكي لا يقع.          ـ "بدون السجّان المرافق لا تستطيعان التجوال في السجن". ووقف، والباب مغلق بينكما، وقفة استعداد لمن يريد القتال.          ـ "نحن لا نتجوّل. إنّنا عائدان إلى الغرفة.. غرفتنا. فوق". أجبته.          فتح الباب، لا لكي يسمح لكما بعبوره، وإنّما لكي يجتازه هو، ويغلقه من الناحية التي توجدان فيها، ويمضي إلى العيادة. لكنّ صوتاً من علٍ، سأله صائحاً: ماذا يفعل هؤلاء في الخارج؟(أي خارج الغرفة).          نظرت إلى فوق، فإذا به ضابط أمن السجن.          ـ " لقد كانا في العيادة". قال السجّان وهو يرتعد.          ـ " أعدهما إلى مكانهما!". قال الضابط.          فيسأل السجّان ضابطه: " الغرفة أم العيادة؟".          ـ " فيسع خم..( بسرعة، ومن المؤكّد أنّه كان يريد أن يقول يا حمار)! أني لو روتسيه لرؤوت أوتم بخوتسا(أنا لا أريد أن أراهما في الخارج)!". يقول الضابط وهو ما يزال يطلّ من نافذة مكتبه. فيطلب منكما الحارس السجّان العودة إلى العيادة. لكنّ هذا أيضاً لم يرض الضابط الغاضب، فعاد يصرخ بسجّانه الحارس:" إلى غرفتهما في الحال".          يرفع السجّان رأسه نحو ضابطه، ويقول:" ليس معهما مرافق!".          فيأمره الضابط:" رافقهما أنت".          ـ " لا يوجد أحد غيري في الباب، والمفاتيح معي". قال الحارس السجّان.          ـ " أعطيها لألله، وأعدهما فوراً إلى الغرفة، وبسرعة". صرخ الضابط من جديد، وراح يختفي خلف ستارة نافذته.          يرتبك السجّان الحارس. عبد الرحمن يدرك كلّ شيء، لكنّه يتألّم، ولا يستطيع التعليق. إنّه يئنّ فقط. وهو ما يدلّك على بقائه حيّاً رغم المعاناة.          يفتح الحارس السجّان بابه. يلجه أوّلاً، ثمّ يدعوكما للعبور. ويمضي نحو الباب الثاني ويفتحه. يقف في انتظاركما، وهو يرمقكما بنظرة حانقة. يأمركما بالدخول. ينتبه إلى أنّ الباب الأوّل ما يزال مفتوحاً، فيركض إليه ليغلقه، ويعود راكضاً وهو ينظر نحو نافذة ضابطه الغاضب. يسبّ. تحدّق فيه بنظرة مستنكرة، وتسأله: ما أمرتا؟(ماذا قلت؟). فيدرك أنّك تفهم العبريّة، فلم يجد غير أن قال:"لو عليخم، همشيخوا( ليس عليكم، استمرّوا). يجتاز وراءكما الباب الثاني، فيتبعه صوت آخر صارخاً: لماذا أنت داخل معهما إلى هناك؟ نلتفت، أنا والسجّان الحارس، فإذا به الشاويش المناوب.          فقال الحارس السجّان:" السيّد تيزي قال لي بأن أرافقهما إلى غرفتهما".          فسأله الشاويش هازئاً: "والباب؟ لمن ستتركه؟ هل قال لك السيّد...؟" ولم يذكر الاسم، لكنّه قال ما يشبهه في اللفظ بالعربيّة، مستبدلاً التاء طاءاً وشدّد عليها.          ـ "سأعود في الحال". قال السجّان الحارس، وهو يعلّق المفاتيح في حزامه.          لكنّ الشاويش المستعرب قال: "لا تذهب معما. عد إلى مكانك في الحال. أنا سأرافقهما".          وينتهي النّزاع على من سيرافقكما، بصعود الشاويش للدّرج أمامكما، وهو يشمخ برأسه، كأنّه ربح المعركة. ض
المكتبة المرئية

شاهد مؤتمر مركز الأسرى للدراسات د رأفت حمدونة

المكتبة الصوتية
  • دحية الأسرى / كلمات د. رأفت حمدونة
  • قهر السجن / كلمات د. رأفت حمدونة
  • فى تحريرك يا غزة / كلمات د. رأفت حمدونة
  • حررنا - عبد الفتاح عوينات
  • صرخة مارد